<%@ Language=JavaScript %>

 

 

بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن

(رواية حفص عن عاصم)

عادل العمري

فهرس:

 

تقديم

1- رسم ولغة المصحف

2- تاريخ الكتابة العربية وصناعة النحو العربي

3- عدم التطابق بين المعطوف والمعطوفِ عليه

4- جواز نصب أو رفع المبني على الفعل

5-  إنْ هذان لساحران

6- فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم

7-  إنَّ الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم

8- ليس البر أَن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب

9- والوالدات يرضعن أَولادهن حولين كاملين لمن أَراد أَن يتم الرضاعةَ

10- كلمة "لات"

11- الحذف

12- زيادة الأحرف

13  - إشكالية "ويكأنَّ"

14- الهمز

15- التنوين

16- عدم المطابقة في الإفراد والتثنية والجمع

17-العاقل وغير العاقل

 18 تأنيث المذكر وتذكير المؤنث

 19- لغة أكلوني البراغيث في القرآن

20- استخدام صيغة الفعل للدلالة على صيغة أخرى

21- كتابة اللفظ الواحد بصورتين

22- استبدال حرف بآخر

23 - هاء الكناية

24- إشكالية واو الثمانية

25- الكلمات غير العربية في القرآن

26- فواتح السور

27- كسر حرف المضارع (التلتلة) والأسماء

28- القراءة السيريانية للقرآن - جهود كريستوف لوكسنبرج

29- طبيعة النظم القرآني

30- استنتاجات

 

تقديم:

نقصد بالإشكاليات عبارات وألفاظ وتركيبات لغوية أثارت الجدل بين النحويين واللغويين. ونحن نهدف إلى تحليل هذه الإشكاليات وكشف أصل اللبس حول العبارات والكلمات المذكورة بقدر ما نستطيع.

وقد ُطرق هذا الموضوع  مرارا منذ صناعة النحو، واستخدم الأقدمون تعبيرات مثل: مشكل الإعراب، الشاذ، غريب القرآن، لحن القرآن.. إلخ. لكن هذا البحث يجمع مجمل هذه الإشكاليات في محاولة لتعليل ظاهرة اختلاف النص عن اللغة العربية الحديثة والوصول إلى استنتاجات كلية.

ولا شك أن القرآن سابق على علوم اللغة العربية بعقود ولذلك لا تصلح هذه العلوم كمعيار لصحة أو خطأ آيات من القرآن، بل إن الأخير هو نص عربي أصيل نسخه عرب أقحاح وبلغتهم بغض النظر عن مستوى تطور تلك اللغة ومدى اتفاقها أو اختلافها عن اللغة المعاصرة، أو اللغة القياسية التي فرضتها مدارس النحويين واللغويين والتي على العموم لم تتفق على كل قواعد النحو والصرف[1]. لذلك ليس واردا لدى الباحث تصيد ما يسمى بأخطاء القرآن اللغوية، وكل ما هو غريب ويمكن رصده في لغة القرآن أشياء أخرى منها: لغات قبائل مختلفة، والخروج على قواعد النحو والصرف الموضوعة الحديثة بالنسبة للغة القرآن رغم أن الأخيرة كانت مقبولة من قبل المتكلمين بالعربية، ووجود كلمات لا تتفق مع كلام أغلب العرب رغم أنها كانت مستخدمة أحيانا، ووجود كلمات وأساليب تعبير أقدم من غيرها كموروث للغة العرب الأسبق على القرآن، ونحت كلمات جديدة على لغة العرب. كما أن رسم الحروف والكلمات  العربية لم تكن له طريقة معيارية وقت نسخ القرآن مما يبرر وجود أشكال متعددة للرسم واختلافه من زمن لآخر ومخالفته كثيرا لطريقة الكتابة العربية  الحديثة، أو لقواعد الرسم القياسي.

هناك تعليل يشوبه الاستسهال للآيات القرآنية المخالفة للعربية القياسية؛ منسوب إلى عائشة وغيرها، ذكره كثيرون: "سُألت عائشة عن لحن[2] القرآن: إن الذين ءامنوا  والذين هادوا والصـبٰئون؛ سورة المائدة آية 69، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة؛ سورة النساء آية 62، وإن هذان لساحران؛ سورة طه آية 63، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتاب، أخطأوا في الكتاب"[3]. ولا يمكن التأكد أصلا من صحة صدور هذا الكلام عن عائشة وحتى بغض النظر فعائشة ليست من الراسخين في معرفة القرآن وألسنة العرب ولا تعرف الكتابة أصلا وبالتالي ليست مصدرا يعتمد عليه في هذا الخصوص. كذلك نُسب إلى  سعيد بن جبير القول: "في القرآن أربعة أحرف لحن: الصابئون، والمقيمين، فأصدق وأكن من الصالحين، و إن هذان لساحران"[4]. كما ذهب ابن قتيبة إلى احتمال خطأ الكُتَّاب: "و ليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت عائشة رضيَ اللّه عنها"[5]. وكذلك وضع الفرَّاء نفس الاحتمال[6]، وذهب كثيرون نفس المذهب.

وهناك العديد من الكتابات التي أراد أصحابها البرهنة على الأصل البشري للقرآن؛ تحاول الكشف عما تسميه "أخطاء لغوية" بالمصحف، وهي تتسم في غالبيتها بالسطحية والتحيز. وعلى العكس بذل كثير من الإسلاميين جهودا مضنية للبرهنة على أن كل "غريب" بالقرآن هو من دلائل الإعجاز وأحيانا يتم تأويله تأويلا باطنيا، في محاولة للبرهنة على المصدر الإلهي للقرآن. ولا يعنينا هنا لا هذا ولا ذاك؛ فالبحث غير معني لا بمصدر النص ولا بمحتوى الكتاب المقدس ولا تعاليمه، فهذا مجرد بحث في اللغة.

 

********************************


1: رسم ولغة المصحف:

 

كثر الكلام عن قراءات عديدة للقرآن؛ منها 7 اعتبرها جل علماء الإسلام الأكثر تواترا. كما قيل أنه نزل على أحرف سبعة، والأحرف في أكثر الآراء انتشارا هيَ ألسنة عربية مختلفة من حيث الصرف والإعراب، ومعنى كلمة لسان لدى العرب: لغة. وقد استخدم القرآن لفظ لسان وليس لفظ لغة لوصف اللغة العربية، وقد نسب لابن عباس أنه وصف الأحرف باللغات: حدَّثنا... عن شيخ لَهُ أنه سمع الكلبيّ يحدث عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبعة أحرف، أو قال بسبعِ لغات، منها خمس بلغة العَجْزِ من هوازن وهم الذين يقال لهم علُيا هوازن وهيَ خمس قبائل، أو أربع[7]. أما أبو عمرو الداني[8] فوصفها إما باللغات أو بالقراءات التي أسميت أحرفا، كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره. وهو لم يميز بين الأحرف والقراءات. وكذلك نُسب هذا الرأي للخليل بن أحمد الفراهيدي[9]، وهو لم يعاصر إقرار القراءات السبع. ومما يعزز ذلك أن الحديث المشهور عن عمر بن الخطاب لم يميز بين الأحرف والقراءات: "سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة "الفرقان" في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أُساوره -أي أثب عليه - في الصلاة، فصبرت حتى سلم، فَلَبَّبْتُه بردائه -أي أمسك بردائه من موضع عنقه - فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: كذبت، فانطلقتُ به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرأ فيها، فقال: ارسله - أي اتركه- اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال: كذلك أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال: كذلك أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه[10] (التشديد من عندنا)، والمفهوم من هذا الحديث أن القراءات هيَ نفسها الأحرف.

وقد اختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة؛ فبخلاف اعتبارها ألسنة، قيل الكثير في معنى الحديث النبوي الذي أشار لذلك وذهبوا مذاهب شتى في تعريف الأحرف؛ فبلغت الآراء نحو أربعين رأيا[11]، شرح منها عدنان بن أحمد البحيصي تسعة مذاهب بتبسيط واضح[12]، وطرق ربما المئات هذا الموضوع بتفاصيل أكثر[13]. وأهم الآراء في تعريف الأحرف هيَ:

- إنها لغات لقبائل العرب.

 - إنها نفس القراءات السبع.

- سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة.

- غير مفهومة.

- اختلافات في علامات الإعراب، أو النقط، أو في الحروف والألفاظ بالزيادة، أو النقص، والتقديم والتأخير.

- اختلافات لا تزيد عن7؛ منها اختلاف تصريف الأفعال، أو اختلاف الأسماء من حيث التثنية والجمع والأداء الصوتي... إلخ.

وغير ذلك...

والطريف أن هناك حديثا قال بأن الأحرف عشرة[14]!.

ويعتقد أكثر علماء الإسلام أن الأحرف والقراءات هما شيئان مختلفان. ومع ذلك لم يستطع أحد أبدا ممن ميزوهما أن يضع خطا فاصلا بينهما، فمنهم من لم يهتم بالتفرقة؛ مثل الطبري[15] الذي تناول موضوع الأحرف وعرج إلى القراءات دون اهتمام بالتفرقة بينهما بوضوح، والكثيرون راحوا يفرقون. لكن نجد أن معنى كل منهما يتداخل مع الآخر، والبعض يصر على أن الأحرف موجودة في المصحف برواية حفص، أو أي رواية أخرى والبعض يرى أن الأحرف نسخت في عهد عثمان  وظل واحد منها فقط[16]. ومن الآراء المنتشرة كما بسَّطها أبو الفضل الرازي[17]؛ أن الأحرف تعني أوجه؛ فهيَ 7 أوجه من الاختلافات إما في اللفظ والمعنى، أو اللفظ دون المعنى، أو المعنى دون اللفظ.

وقد بذل الباحث جهودا مضنية واطلع على عشرات الكتب والدراسات في أمر الأحرف والقراءات عسى أن يخرج بإجابات شافية دون جدوى.. والموضوع يبدو غامضا وبلا نهاية. والأقرب للمنطق أنه لأن القرآن كان مفتتا إلى سور وآيات متناثرة لدى الصحابة ومكتوب على عظام وجلود بكتابة غير واضحة بجانب النقل الشفاهي والأمية وتعدد ألسنة العرب، نشأت قراءات مختلفة لم يستطع أبو بكر توحيدها، وحين حاول عثمان ذلك ترك المصحف بدون نقط، أو علامات إعراب مما سمح باستمرار القراءات وظهور المزيد منها بلا حساب، مما دفع  العلماء إلى حصرها في سبعة قراءات أسموها متواترة، زعموا أن النبيّ قرأ بها جميعا، مضيفين ثلاثة أخرى مقبولة (والبعض أضاف 4 أخرى أقل اعتبارا)، واعتبار الباقي قراءات "شاذة". والشذوذ عند العرب هو البعد عن القياسي؛ أو هو كلام القلة من العرب. وفي النهاية فرضت الدولة العثمانية قراءة عاصم، ولها روايتان: حفص وورش، والأولي لها طريقان هما طريق المعدل وطريق الشاطبية، والأوسع انتشارا هيَ الأخيرة وهيَ التي دعمتها السعودية الغنية فسادت دون أن تقضى على القراءات الأخرى والتى يعترف بها أهل السنة. ومن الروايات المنتشرة حتى الآن  رواية  ورش عن نافع؛ منتشرة في المغرب العربي وغرب أفريقيا وبعض مناطق في مصر وليبيا وتونس وتشاد. وهي الرواية التي كانت الأكثر الانتشارا في مصر ومنها انتشرت إلى تلك البلدان. ورواية قالون عن نافع؛ أكثر انتشارا في ليبيا وتونس وبعض مصر[18].

 إذن لا يوجد فعلا نص قرآني موحد أبدا وتكفي نظرة إلى بعض القراءات، أو المصاحف للوقوف على هذه الحقيقة[19]. ولم يسع المسلمون إلى توحيد النص القرآني بل اكتفوا بالرسم العثماني وأقروا بشرعية القراءات.

وعلى أية حال ما هو موجود من مصاحف عديدة منذ عهد أبي بكر لا يسمى أحرفا بل قراءات. وسواء كانوا شيئا واحدا، أو شيئين مختلفين فمن الناحية العملية نحن أمام مصاحف، وهيَ تعد بالعشرات[20]، منها قراءة ابن مسعود التي يعتبرها العلماء قراءة شاذة رغم أنه ممن عاصروا الرسول وكان ملازما له لعدة سنوات وسمع منه القرآن مباشرة وقرأه عليه.

والسبعة الذين يعترف بتواتر قراءاتهم علماء السنة هم: عبد الله بن كثير، ونافع بن أبي نعيم، وعبد الله بن عامر، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، و على بن حمزة بن عبدالله الأسدي، أو الكسائي. وعنهم قراء أخذوا منهم هم:

عن ابن كثير: البزي، وقنبل.

عن نافع: ورش، وقالون.

عن ابن عامر: ابن ذكوان، وهشام.

عن أبي عمرو: أبو عمر الدوري، وأبو شعيب السوسي.

عن عاصم: أبو بكر بن عياش الأسدي (شعبة)، أبو عمرو حفص بن سليمان بن المغيرة البزار.

عن حمزة: خلف، وخلاد.

عن الكسائي: أبو الحارث، وأبو عمر الدوري[21].

 أما الثلاثة الأقل قبولا فهم (يقبلها عدد أقل من العلماء كقراءات متواترة): يزيد بن القعقاع أبو جعفر المخزومي يعقوب بن اسحاق خلف بن هشام. وهناك أربعة آخرون اعتبرهم بعض الأئمة أصحاب قراءات شاذة بينما اعترف بهم آخرون.

أما بقية القراءات وهيَ كثيرة والتي اعتبرت شاذة، فقد قرأ بها عدد أقل من القراء.

والموضوع لا يقف عند تعدد القراءات بل إن هناك روايتان لكل قراءة وحتى بعض الروايات لها أكثر من طريق ولكن الفرق بين الروايات، أو الطرق قليل ويتعلق أساسا بكيفية قراءة الألفاظ والتلاوة واختلاف حروف قليلة[22].

يمكن تحديد الفروق بين القراءات والروايات والطرق بوضوح كالآتي: القراءة: هيَ الاختيار المنسوب لإمام من الأئمة بكيفية القراءة للفظ القرآني على ما تلقاه مشافهة بسند متصل إلى الرسول؛ مثل: قراءة نافع، قراءة ابن كثير. الرواية: هيَ ما نُسب لمن روى عن إمام من أئمة القراءة، ولكل إمام قارئ راويان، عُرف كل منهما بها؛ مثل رواية ورش عن نافع، رواية حفص عن عاصم.. الطريق: أحد أمرين: الأول: ما ينسب للآخذ من الراوي؛  مثل طريق الأزرق عن ورش، أو الأصبهاني عن ورش، والثاني: ما يطلق على طريق تلقي القراءات، كطريق الشاطبية  والدرة، وطريق طيبة النشر. وهذه الطرق هيَ التي تؤخذ منها القراءات المتواترة[23]،[24].

أما الأحرف السبعة فلم يقل أحد من الثقات أنها تعني 7 نسخ مختلفة من القرآن بل هيَ موزعة في نفس المصحف وببساطة تعني وجود ألسنة مختلفة في المصحف وهذا وارد حتما كما سنرى في البحث، ولكن ليس من المؤكد أن عددها 7. ولم نسمع عن وجود مصاحف كتبت بأحرف مختلفة منذ عملية توحيد المصحف والتي لم تنجز بشكل نهائي أبدا حيث مازالت توجد قراءات متعددة رغم سيادة قراءة عاصم (أو بالتحديد رواية حفص عن عاصم) التي توجد بين يديِّ أغلب مسلمي العالم حاليا.

وقد ظهرت القراءات ربما في عهد الرسول ولكنها انتشرت بعد وفاته، وهيَ تتضمن الاختلاف في أوزان الأسماء وفي تصريف الأفعال وعلامات الإعراب والتقديم والتأخير واستبدال لفظ بآخر، أو حرف بآخر وإضافة، أو حذف أحرف، وكذلك نطق الألفاظ سواء بالإدغام، أو الترقيق، أو الإمالة، وفي التقسيم إلى آيات وهو نادر[25].. إلخ. ومن غير المؤكد أن القرآن في نصه الأصلي المدون في عهد النبيِّ كان نصا موحدا؛ إذ قيل إنه كانت هناك مصاحف لبعض الصحابة وربما اجتهد بعضهم في نسخ مصاحف خاصة بهم للاطلاع عليها، منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وربما أُبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم[26]. كذلك لم يشر القرآن لا لوجود أحرف ولا لوجود قراءات متعددة بل في آيات عديدة ذكر إنه بلسان عربي مبين فحسب، بل لم يشر كذلك أبدا إلى أنه كتب بلغة قريش. بل وقد ذهب نولدكه حسب ما ذكر جواد علي[27] إلى أن القول بنزول القرآن بلسان قريش قد  ظهر في العصر الأموي، في سياق صراعهم مع بقية العرب، وهو من المحتمل تماما.

وفي الحالتين؛ الأحرف والقراءات، هناك اختلافات كثيرة في المعنى بل وأحيانا ترتب على هذا خلاف في الأحكام. ومن الأمثلة الشهيرة[28]:

اختلاف قراءة الآية 6 من سورة المائدة: "وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لـٰمَسْتُمُ النساء فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا.. "؛ إذ اختلفت القراءة لكلمة لامستم؛ فقد قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "لامستم" وقرأ حمزة والكسائي "لمستم"، وبنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءتين؛ ف"لمستم" تعنى مجرد اللمس أما: "لامستم" فتعني ممارسة الجنس، هذا لدى جل اللغويين. ومثال ثان هو الآية 222 من سورة البقرة: "فاعتزِلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتَّى يطهُرْنَ"؛  فقد قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر والمفضِّل يَطَّهَّرن بتشديد الطاء والهاء وفتحهما. وفي مصحف أُبيّ بن كعب وعبداللّه وأنس بن مالك: يَتطهرن. فكان الخلاف على معنى الطهر وبالتالي اختلفوا على حكم في مضاجعة الحائض. والمثال الثالث الشهير أيضا هو قراءة الآية 1 من سورة الطلاق: "يَـٰأَيها النبي إذا طلقتم النساء فطلّقوهن لعدتهنَّ"، والتي قرأها ابن عباس وابن عمر: فطلقوهن في قبل عدتهن وقرأها ابن مسعود: لقبل طهرهن[29]. والمعنى الغالب في الأولي: الطلاق بعد حيض وقبل جماع ولا جماع حتى تنتهي العدة فيتم الطلاق، وفي الثانية: الطلاق. وهناك أمثلة أخرى لا تحصى أدت لاختلاف المعني وليس الأحكام، منها كمثال: "والشمس تجري لمستقٍر لها"، قرأها ابن مسعود: "والشمس تجري لا مستقر لها"[30] ومثال آخر: " وما هو على الغيب بِضَنِينٍ". وحسب الطبري اختلفت القرّاء؛ فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة بِضَنِينٍ بالضاد، بمعنى أنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنـزل إليه من كتابه، وقرأها بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين بِظَنِينٍ بالظاء، بمعنى أنه غير متهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء. وهاك مثالا آخر: الآية 25 من سورة النمل: "وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطن أعمالهم فصدهم عن سبيل الله فهم لا يهتدون*ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخَبء"؛ قرأ أغلب القراء، ومنهم رواية  حفص، ألَّا بالتشديد وقرأتها قلة ألا بدون تشديد اللام. في الأولى المعنى أن الشيطان زين لهم ألا يسجدوا لله وفي الثانية المعنى أن اسجدوا لله. ومن الاختلافات ما أدى لمعنى مناقض للآخر في أمر واقعة تاريخية؛ فقد قُرأت الآيات 1-4 من سورة الروم في حفص: "الم * غُلِبَتْ الروم * فِي أَدنى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ.. "، و: "الم * غَلَبَتْ الروم * في أَدنى الأَرض وهم من بعد غلبهم سَيُغْلَبُونَ * في بضع سنين.. ". هكذا قرأت "الروم" مرة كنائب فاعل وفي الأخرى كفاعل. وفي القراءة الثانية انتصر الروم على قبائل عربية ثم انتصر عليهم المسلمون بعد 9 سنوات[31]، بعكس القراءة الأولي والتي يأخذ بها جل الإسلاميين؛ إذ تعني هزيمة الروم أولا (على أيدي الفرس) ثم انتصارهم عليهم.

وهذا مثال لاختلاف التعبير مع وحدة النتيجة العملية: "إنَّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم" (البقرة: 158)، بينما قرأها ابن مسعود: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما[32]، في الصيغة الأولى يعني السماح بالطواف وفي صيغة ابن مسعود السماح بعدم الطواف.. النتيجة واحدة لكن الصيغة مختلفة[33]. وهناك قراءات تختلف في الكلمات أو الحروف بنفس المعني تقريبا؛ كما في "تثبتوا" بدلا من "تبينوا" في: "إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" (سورة الحجرات: 6). وهناك اختلافات عديدة أخرى في القراءات تتعلق فقط بالنطق ومخارج الحروف والإدغام وأصوات اللين.. إلخ، لا تؤثر لا في المعنى ولا في الحكم ولا في رسم اللفظ، حسب لهجات مختلف قبائل العرب قديما[34]؛ مثال ذلك: "وأما ثمودُ فهدينـٰهم" (سورة فصلت: 17)، حيث قرأها البعض "ثمودَ" بالنصب[35]. ويجب أن نلاحظ أن القرآن بناء على وجود قراءات عديدة ليس مصحفا موحدا، أو نصا موحدا، بل مصاحف عدة بها خلافات القراءات المشار إليها سابقا. فالقراءات لا تعني مجرد اختلاف النطق كما يشيع بعض خطباء المنابر بل هناك اختلافات في رسم الكلمات وعلامات الإعراب أيضا كما رأينا.

إذن الخلاف في القراءات، أو الأحرف قد يتضمن خلافات في المعاني ونادرا في الأحكام، وكثيرا في الألفاظ، وفي النطق دون هذا وذاك.. إلخ

وتتلخص أهم أسباب ظهور القراءات حسب رأينا في: النقل الشفاهي المتتابع لنص ضخم قبل كتابته قد يتسبب في اختلاف اللحن، واللهجات المختلفة للقبائل.. وبعد ذلك كتابة المصحف بلغة غير قياسية وبلا قواعد صارمة وبلا علامات إعراب ولا نقط.

ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن القراءات والأحرف والاختلاف حولها إلى آخر هذه القصة هيَ قصة السنة دون الشيعة؛ فجل علماء الشيعة الإمامية أ فإذا كان الأمر كذلك فماذا فعل زيد ابن ثابت؟!. الأصلية للقرآن بالتوانر عن الرسوللكريم في رواية المدرستين، الجزء الثاني، قرون بويقرون بوجود نص قرآني موحد هو قراءة حفص عن عاصم تواترا عن الرسول ويرفضون موضوع الأحرف والقراءات ويعتبرون هذا تحريفا للمصحف، وهناك باحث شيعي رد بقسوة وموضوعية على مسألة الأحرف لدى السنة[36]، كما يرفضون احتمالات تحريف القرآن التي قال بها قلة من علمائهم على رأسهم محمد بن يعقوب الكليني[37]، وهم يأخذون بقراءة حفص فقط اعتقادا بأنها القراءة الأصلية للقرآن بالتواتر عن الرسول وبأن كل أسانيدها من الشيعة[38]. وقد فسر بعضهم المراد بالأحرف السبعة "الوجوه التي ترجع إلى معاني كلام الله وتأويلاته"[39].

وهناك اختلاف بين الإسلاميين على تاريخ جمع القرآن، فقيل إنه تم في عهد أبي بكر وقال آخرون في عهد عمر والبعض في عهد عثمان[40].. بل زعم غيرهم أنه جمع في عهد الرسول، استنادا لروايات عدة ولآية: "إنَّ علينا جمعه وقرءانه" (سورة القيامة: 17)[41]، وذكر ابن سعد أنه جمع في عهد أبي بكر ولكن جمعه عليُّ بن ابي طالب[42]. فإذا كان الأمر كذلك فماذا فعل زيد بن ثابت؟!.

والرأي السائد أن القرآن قد جُمع في عهد أبي بكر وأنه قد احتفظ بالمصحف لنفسه ثم أخذه عمر ثم تركه لابنته حفصة ولم يكن متاحا لعامة الناس فلم يتأثر به أحد وظلت القراءة تتم بطرق مختلفة أو ظلت قراءات عدة وانتشرت نسخ المصحف في عهد عمر بن الخطاب بقراءات مختلفة وبدأ الناس يكفر بعضهم بعضا مما دفع بالخليفة إلى توحيد رسم المصحف. وقد استعان زيد بن ثابت في عهد عثمان بنسخة حفصة وقام بتنقيحها وهناك ما يدل على تغييرات أجريت فيها ومن القرائن ما قيل عن كلمة "تابوت" وإحراق هذا المصحف على يد مروان بن الحكم، ولو كان موافقا لمصحف عثمان لما مسه أحد. ورغم توحيد المصحف[43] في عهد عثمان استمر وجود مصاحف أخرى - ربما سرا -  ثم ظهرت مصاحف جديدة تتضمن أنواع الاختلافات السابق ذكره.

وتؤكد روايات عديدة وواقعة توحيد المصحف وقصة حرق، أو دفن المصاحف المخالفة بواسطة عثمان بن عفان ثم حرق مصحف أبي بكر نفسه بواسطة مروان بن الحكم، الروايات العديدة القائلة بتعدد المصاحف والقراءات قبل توحيد المصحف، كما تكلم الكثيرون عن آيات فُقدت وغيرها وجدت عند صحابي واحد واختلافات بين جامعي القرآن أنفسهم.. إلخ، مما يدل على وجود مصاحف مختلفة بدرجات سواء في الأحرف، أو القراءات. فكيف وعلى أيِّ أساس تم اعتماد النسخة العثمانية، لا أحد يدري بالتحديد وقد علل ذلك ابن الجزري بالقول: "فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرح به غير واحد من أئمة السلف كمحمد بن سيرين وعبيدة السلماني وعامر الشعبي"[44]. ولا يوجد بالطبع أي توثيق لهذا الادعاء، خصوصا أن الجزري نفسه قال أكثر من مرة إن نقل المصحف كان شفاهيا: ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ففي الحديث الصحيح... إن ربي قال... فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤوه في كل حال كما جاء في صفة أمته (أناجيلهم في صدورهم). ومما يعزز ذلك الرواية الشهيرة القائلة بأن أبي بكر قال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه[45]، مما يعني عدم الاكتفاء بالمكتوب، أو عدم الثقة به مالم يتوفر شاهدان على صحة نسبه للقرآن.

 وعلى العكس زعم البعض مثل القرطبي أن عثمان قد اعتمد نسخه من المصحف بقراءات مختلفة إشعاراً بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة[46]. ولكن هنا يأتي تساؤل مهم: هل أرسل عثمان المصاحف إلى الأمصار كل مصر بقراءة مختلفة؟ وهل يمكن توقع ذلك؟. ونرى أن الأكثر قبولا أن عثمان قد أزال، أو منع التنقيط والتشكيل لإعطاء الفرصة لاستمرار القراءات المختلفة ولكن كانت طريقة الرسم موحدة ثم ظهرت تباينات محدودة في الرسم وظلت موجودة.

على أية حال تمت عملية تدوين الكتاب وإنتاج المصحف الموحد الرسمي على عدة سنوات وأنجزت إلى حد كبير في عهد الخليفة عثمان بن عفان، فكانت الفترة كافية لتدارك الأخطاء اللغوية المحتملة وتعديلها عوضا عن توحيد رسم الألفاظ لكن بدون تنقيط وعلامات إعراب، وهناك من الروايات ما يدل على حدوث خلافات بين جامعي القرآن حول كلمات معينة تم في النهاية حسمه بكتابته زعما - بلسان قريش، أو بالعودة إلى آخرين، أو  في حالة واحدة على الأقل إلى الخليفة نفسه[47]، وهناك رواية تشير إلى أن عثمان قد راجع وصحح، أو عدّل في المصحف[48]. وقد أمر عثمان بالتخلص من المصاحف المخالفة لنسخته التي أقرها، مما يوحي بوجود خلاف في بعض الألفاظ، أو العبارات. وهناك ما يشير إلى استمرار وجود تلك المصاحف وهذه الاختلافات بعد كتابة مصحف عثمان، مثل مصحف ابن مسعود. فلم يستطع عثمان حرق كل المصاحف وربما كُتب الكثير منها بعد كتابة مصحفه. وقد اختفت نسخ  المصحف العثماني بعد ذلك وظلت القراءات، أو المصاحف المتعددة لكنها اتبعت طريقة الرسم في مصحف عثمان بوجه عام. وقد أسهب الكثيرون في تناول الخلاف في القراءات حسب لهجات القبائل، منهم الشاطبي والداني والكافي.. مما يؤكد أن اللغة العربية لم تكن موحدة قبل صناعة النحو بعد الإسلام بعقود. وبعد عثمان تم تنقيط المصحف ثم إضافة علامات الإعراب، مما يعني إعادة كتابته في صورة جديدة قد تتضمن مزيدا من الاختلاف عن النص الأصلي ونسخ متباينة في الرسم.

وحسب ما سبق يحتمل أن تكون نصوص (أو قراءات) القرآن الموجودة حاليا تختلف بدرجة، أو بأخرى عن النص الأصلي، حذفا وإضافة ولكننا لا نملك هذا النص الأصلي حتى نحدد ماهية تلك الاختلافات المحتملة. ولكن مما ذكر عن جمع عثمان للقرآن أنه لم يوحد القراءة فحسب بل أزال التنقيط والتشكيل أيضا[49]، مما ربما سمح بعد ذلك حين أعيد التنقيط والتشكيل إلى تغيير نطق ألفاظ معينة وتغيير كتابتها. وهذا النص الذي أقره عثمان بن عفان هو أول نص كبير مكتوب وموثق بلغة العرب[50]. وهناك في كتب علماء السنة الكثير والكثير من النصوص التي تدل على فقدان آيات، أو سور من القرآن سواء بموت حافظيها، أو بضياع الوثائق، أو بالسهو والنسيان[51]. وما نسب لعبد الله بن مسعود حين أمر أبو بكر بجمع القرآن من القول: أفأترك ما أخذت من في رسول الله[52] إنما يشير إلى وجود تلك الاختلافات. كما أن نُسخ مصحف عثمان نفسه قد فُقدت. وما يسمى بمصحف طشقند[53] ويقال إنه نسخة الإمام نفسه ناقص في مواضع كثيرة كما أن المصحف منسوخ بخط واضح وبألوان ناصعة فلا يعقل أن يكون من عصر الإمام. ومن المشهور لدى علماء السنة أن من القرآن ما نسخت تلاوته وظل حكمه؛ أيْ أن هناك آيات قد محيت وظل حكمها، ومن هذه الآيات آية الرجم وآية رضاعة الكبير التي أكلتها الداجن في بيت عائشة حسب المذكور في التراث[54]، وقد يكون هذا غير صحيح تاريخيا إلا أن هناك إشارات عديدة لفقدان أجزاء من القرآن وقد استعرض السيوطي ما قيل في ذلك بشيء من التفصيل في "الإتقان"[55]. يضاف أنه ليس من المستبعد بالكامل أن كلمات ما قد طمسها الحبر، أو بعض حروفها فكتبت مخالفة للنص الأصلي؛ مثال: كلمة "وقضى" (سورة الإسراء: 23) بدلا من "ووصى"[56]. كل هذا قاله وسجله إسلاميون كبار وليس من ابتكار مشككين ولا ملحدين.

أيا كان الأمر فلن نعرف أبدا إذا كان المصحف الحالي متفقا تماما مع النص الأصلي الذي دونه كتبة الوحي، والأرجح أن عملية الجمع والتدوين في البداية تمت بقدر من العشوائية والاجتهاد خصوصا أن كثيرا من النصوص كانت متناثرة عند الصحابة ولم يكن هناك معيار لضمان أصالة هذه النصوص سوى عنصر السند؛ أيْ الثقة في هذا الصحابي أو ذاك، علاوة على موت بعض هؤلاء الصحابة قبل جمع القرآن في موقعة اليمامة وبالتالي احتمال فقدان ما كان لديهم من الآيات المكتوبة. وهناك كثير مما نُسب لعبد الله بن مسعود عن كراهيته لمحاولة أبي بكر توحيد المصحف مناديا الناس بالاحتفاظ بمصاحفهم المختلفة ورافضا أن يقرأ بقراءة زيد بن ثابت[57]. بل هناك من ذكر أن ابن مسعود لم يكن يجد غضاضة في استبدال كلمة بأخرى في القرآن طالما ظل المعنى نفسه، وقد وُجدت في مصحفه اختلافات لفظية مهمة عن مصحف عثمان[58]، وذهب مثله أُبيُ بن كعب[59]. بل قال ابن حجر العسقلاني: "ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق المعنى وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة كما تقدم وتصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم"[60]. وهناك كثير من الأقوال والآراء التي ترجح مرونة النص القرآني في عهد الرسول؛ بمعنى إمكانية قراءته بطرق مختلفة من حيث الكلمات وتركيب الجمل شرط الاحتفاظ بالمعنى العام لرسالته، مما يرجح أن الأحاديث التي تكلمت عن أحرف وقراءات مختلفة صحيحة النسب للرسول، خاصة أن المسلمين الأوائل كانوا يقرأون القرآن ويتناقلونه شفويا لوجود آياته متفرقة بين الصحابة حيث لم يكن هناك مصحف موحد بعد ولا عدد من النسخ المتاحة للعامة لقراءتها ولانتشار الأمية. وقد بلغت المرونة حتى استبدال آيات بغيرها حسب ما ذُكر في سورة البقرة: آية 106: "ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"، "وإِذَا بدلنا ءايةً مكان ءاية واللّهُ أَعلم بما ينزِّل قالوا إنما أَنت مفتر بل أَكثرهم لا يعلمون"  (سورة النحل: 101) وقد ذهبت بعض الأحاديث المنسوبة للرسول إلى أنه أُنسيَ وأسقط بعض الآيات؛ فحسب صحيح مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ثم سمع رجلا قرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا. وحدثنا بن نمير حدثنا عبدة وأبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستمع قراءة رجل في المسجد فقال رحمه الله لقد أذكرني آية كنت أنسيتها[61]. وكذلك المذكور في التراث عن أجزاء كبيرة فقدت من القرآن[62].

ونحن لا نملك أيضا نصوصا عربية سابقة يعتمد عليها كمرجع في اللغة العربية، بما فيها مصحف أبي بكر، خصوصا أنه قد تم تفنيد الشعر المسمى بالجاهلي، ليس فقط بواسطة مرجليوث وطه حسين، بل سبقهما بقرون كثير من الكتاب العرب القدامي، أهمهم ابن سلام الجمحي[63]، وابن هشام الذي ارتكب جريمة إزالة شعر هجاء النبيِّ من كتاب السيرة النبوية لابن اسحق وهو ثروة لغوية مهمة[64]. وحتى الشعر المعاصر للرسول دارت حوله الشكوك[65]، وربما كان هذا من أسباب لجوء النحويين الأوائل إلى فصحاء البدو لأخذ قواعد اللغة من أفواههم.

وكل هذا لا يعنينا في هذا البحث وإنما هو مجرد تمهيد للموضوع المقصود. الخلاصة أن المصحف العثماني قد أُنجز على مراحل وفي وقت طويل وأعيد نسخه وتنقيحه عدة مرات. لهذا يصعب كثيرا الحكم بوجود أخطاء لغوية بمعنى الكلمة في القرآن، خصوصا أن اللغة العربية القياسية لم تكن موجودة بقواعدها المقررة قبل عصر التدوين وصناعة النحو العربي، بل بعد الإسلام بعقود عدة، لذلك لا تصلح هذه اللغة كمعيار مطلق للغة القرآن بل قد يكون العكس هو الصحيح. ولا يوجد ما يؤكد أن كل العرب كانوا يتبعون قواعد معينة ثابتة وموحدة لدى كل القبائل بل المرجح أنه كان هناك تباين في اتباع قواعد نحوية معينة، غير موضوعة بالطبع بل متضمنة في اللغة المستخدمة فعليا، بدليل وجود طرق مختلفة لجمع كثير من الكلمات. لذلك يبدو لنا أن محاولات اكتشاف أخطاء لغوية في القرآن هى مجرد بحث عن سراب. فالأصل - إن صح التعبير هو اللغة المستخدمة بالفعل أيا كان تباين قواعدها ومخالفتها للغة القياسية التي تم إقرار قوعدها بواسطة اللغويين. ومن نافلة القول أن النحو العربي ما هو إلا محاولة لاكتشاف القواعد العامة السائدة للغة العربية لأن اللغة نشأت قبل النحو وليس بعده. أما اللغة القياسية فنشأت بعد النحو ولذلك لا تصلح معيارا لصحة أو خطأ القرآن وأي نص سابق على إقرارها. وبالطبع لا نعترف بالتعليلات الغيبية التي لجأ إليها كثير من الأئمة للبرهنة على أصالة النص القرآني ونقله حرفيا من الرقاع والعظام في مصحف أبي بكر ثم عثمان والاحتفاظ بالقراءات المتواترة عن الرسول... إلخ. فنحن نتعامل مع عملية جمع ونسخ القرآن كعمل بشري بحت، أما الإيمان بأصله الإلهي من عدمه فخارج نطاق هذا البحث.

من المؤكد أن هناك "لحنا" ما في القرآن بمعني معين؛ الخروج على المألوف من لغة العرب، وهيَ ظاهرة رصدت أيام الرسول[66] ولا يستبعد أن تكون من قبل ذلك. والمألوف هنا هو كلام الغالبية من العرب. وقد اعتادوا الخروج عليه في الكلام الموزون كالشعر والزجل، وهناك مئات إن لم يكن آلاف الأمثلة على ذلك متناثرة في كتب التراث، والخروج على العربية القياسية التي نكتب بها اليوم ووضع قواعدها اللغويون العظام القدامى، واستخدام كلمات جديدة على لغة العرب، أو تعريب كلمات أجنبية، أو استخدامها بدون تعريب، كما سنرى. والباحث ينتقد ويرفض المحاولات العديدة للمدافعين عن الإسلام لتطويعه قسرا للعربية القياسية خوفا من التشكيك في أصله.

ومن المهم ملاحظة أن اللغة المكتوبة ليست انعكاسا مباشرا للغة المقروءة، فالكلمة غير اللفظ والرسم غير النطق وهناك تباين في حالات كثيرة بين نطق اللفظ وكتابته. وقد كتب القرآن في عهود أبي بكر وعثمان وكتب في الأمصار مرارا وظهرت مصاحف متعددة تتباين في الرسم نظرا لتطور أو تغير كتابة الأحرف العربية وطريقة نقش الكلمات، وكل رسم المصحف حسب معرفته، أو قناعته بطريقة الكتابة.

سنري في هذا البحث كيف بذل كثير من المفسرين واللغويين جهدا مضنيا للبرهنة على اتباع القرآن للعربية القياسية، وكأن هذا النحو سابق عليه، أو سابق عليه منطقيا، فيستخرجون النص من القواعد وليس العكس، بينما لجأ بعضهم إلى تعليلات خاصة بالبلاغة، أو بلغات القبائل المختلفة، وهيَ تعليلات أكثر وجاهة في العموم. ولجأ الكثيرون إلى ابتكار تعليلات نحوية لا تقنع أي شخص يريد تطبيق النحو فعلا بأمانة. ولكن البعض كان أكثر جرأة واتساقا حين أقر بأن هذه اللغة هيَ اللغة العربية كما استخدمها أصحابها وهيَ لا تتبع النحو الموضوع بصرامة، فالعرب قد يغيرون من النحو للفت الانتباه، أو للمدح، أو الذم، وذهب البعض إلى أن لغة العرب هيَ ألسنة مختلفة، منها لغة طيء وبني الحارث، و بني تميم وقيس وأسد.. إلخ. ويمكن أن نضيف أيضا أن القرآن كتب بلغة أدبية بها شيء من الوزن والسجع، وفي هذا المجال أجاز العرب تجاوز التقاليد اللغوية التي اعتادوا عليها للمحافظة على الوزن والقافية.

ذكر البعض[67] رواية غير مقبولة منسوبة لعكرمة مولى ابن عباس تقول: لما كُتبت المصاحف عُرضت على عثمان، فوجد فيها حروفا من اللحن، فقال: لا تغيروها؛ فإن العرب ستغيرها - أو قال ستعربها بألسنتها - لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف[68]. وهيَ رواية لا يمكن قبول صحتها؛ فكيف بعثمان الذي وحد رسم المصحف وأشرف على كتابته وتخلص من المصاحف المخالفة، أي التي بها لحن وعدل بعض الألفاظ حسب الروايات أن يعترف بوجود لحن؛ أي تغيير، في القرآن ويسكت عنه؟. وربما كما ذهب أبو عمرو الداني قصدوا باللحن اختلاف القراءة بسبب غياب النقط والتشكيل.

خلاصة القول لا نجيز من حيث المبدأ فكرة البحث عن أخطاء لغوية في القرآن، ليس لأسباب غيبية بل لما ذكرناه: عدم وجود معيار للصواب والخطأ سابق على القرآن نفسه ويضاف للقرآن أيضا كافة النصوص العربية السابقة على وضع النحو وقواعد اللغة. فاللغة المستخدمة هيَ الأصل أما القواعد فتم استخراجها من اللغة.

               **************************************

2: تاريخ الكتابة العربية وصناعة النحو العربي:

 

 سنتناول هذا الموضوع الواسع في حدود علاقته بموضوعنا؛ إشكاليات لغة القرآن.

نشأة الخط العربي غير معروفة بالضبط وقد اختلف الباحثون المختصون أيما اختلاف في ذلك فقال البعض أنه تأثر بخط المسند[69]. بينما ذهب أغلب الباحثين وخبراء اللغات إلى أنه نشأ من السريانية، أو النبطية وكلاهما منحدر من الخط الآرامي وقد ذهب باحث مختص إلى أن قرابة العربية والسريانية هيَ أوضح ما تكون بين هاتين اللغتين وبين العربية وأية لغة أخرى من اللغات القديمة[70]. ولكن حسب أهم الأبحاث نشأ الخط العربي من الكتابة النبطية[71] وتأثر ببقية الخطوط السامية، خصوصا أن علامات الإعراب (الضمة والفتحة والكسرة) كانت موجودة في اللغة البابلية القديمة حسب كلام الباحثين بالضبط كما هيَ موجودة بالعربية الفصحى[72]، وهناك تشابه كبير بين العربية والنبطية في النحو والصرف[73]. ومن المرجح أن العرب كتبوا في العصور المبكرة بأحرف من لغات مختلفة، أو بخليط من هذه الأحرف بدليل أن النقوش القديمة المكتشفة ليست عربية واضحة بل متأثرة بأكثر من خط بحيث اختلف المختصون في تحديد أصل تلك اللغة. ومن المرجح حسب بحوث المختصين[74] أن خط العربية البائدة تأثر أكثر بخط المسند بعكس العربية الباقية والتي كُتب بها القرآن التي تأثرت أكثر بالخط النبطي ثم السرياني.

أما اللغة العربية (بخلاف الخط العربي) فقد نشأت إما مع بقية اللغات السامية في أوقات متقاربة وتداخلت نتيجة اتصال الشعوب المختلفة، أو أنها جميعا تنتمي إلى لغة واحدة واختلفت الألسن نتيجة تفرق الشعوب، ولم يثبت أحد بشكل مؤكد أيَّاً من الاحتمالين. والمؤكد أن اللغات السامية قد اشتركت في كثير من الألفاظ[75]، أحيانا بمعاني مختلفة[76] (وهذا أمر مهم في حالة قراءة بعض كلمات القرآن باعتبارها غير عربية)، وحتى أصوات بعض الحروف[77]، وكثير من قواعد النحو والصرف[78]. نقصد من كل هذا أن العربية ليست لغة معزولة ونقية وذات صيغة نهائية، بل تداخلت مع لغات سامية أخرى بل وحامية أيضا بدرجة ما[79]، وأنها قد شهدت تغيرات زمنية متلاحقة وبالتالي كُتبت في كل زمن بطريقة مختلفة، وهذا له علاقة بلغة القرآن التي كتبت في فترة انتقالية حاسمة في حياة العرب الاجتماعية والثقافية، فمن المؤكد أن لغته قد عكست مرحلة الانتقال تلك.

ويشيع الاعتقاد بأن الكتابة العربية قبل الإسلام لم تكن منقوطة ولا مشكَّلة وأن هذا قد تم بعد حوالي 40 عاما من القرآن.

انقسم الباحثون حول هذا الموضوع، فمنهم من قال بأن النقط (علامات الإعراب) والإعجام (نقاط الحروف) قديمان في اللغات السامية، والعربية واحدة منها، ونفت الأغلبية  ذلك، وقالت بأن الأبجدية العربية كانت لا تعجم ولا تعرب كأخواتها السامية باستثناء الأبجدية الحبشية.

ومن الغريب أن تكون الحروف العربية قبل الإسلام وفي أيِّ وقت بدون نقط على الحروف؛ ومن البديهي أن نتساءل عن الذي وضع الحروف واخترعها أياً كان هو.. كيف ميز بين حروفها المتشابهة كالسين والشين والصاد والضاد والباء والتاء والثاء والنون... ؟ ولماذا لم يرسم هذه الحروف بأشكال تميزها عن بعضها حسب النطق؟ كذلك لنا أن نتساءل كيف كان العرب يتكاتبون ويقرأون بدون نقط وعلامات إعراب؟. وقد كانت الكتابة النبطية أيضا غير منقوطة، فهل احتفظت العربية بهذا الأصل أم تأثرت بالسريانية وهيَ منقوطة؟ وقد كانت هناك علاقات تجارية وثيقة بين العرب وسكان الشمال المتحدثين بالآرامية كما كانت لغة الكتاب المقدس ليهود جزيرة العرب.

 استبعد عدم تنقيط العربية عدد من العلماء، منهم الإمام القلقشندي[80]؛ في الغالب نقلا عن هشام الكلبي، بغض النظر عن تبنيه للرواية الشهيرة عمن وضع الحروف[81]: "أول من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من قبيلة بولان  على أحد الأقوال، وهم مرارة بن مرة وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة، وأن مرارا وضع الصور، وأسلم فصل ووصل، وعامرا وضع الإعجام، وقضية هذا أن الإعجام موضوع مع وضع الحروف... يبعد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصحف". وقد أخذ بهذا الزعم حاجي خليفة: اعلم أن الصدر الأول أخذ القرآن والحديث من أفواه الرجال بالتلقين ثم لما كثر أهل الإسلام اضطر إلى وضع النقط والإعجام فقيل إن أول من وضع النقط مرار (مرامر) والإعجام عامر وقيل الحجاج وقيل أبو الأسود الدؤلي بتلقين علي رضي الله تعالى عنه إلا أن الظاهر أنهما موضوعان مع الحروف، إذ يبعد أن الحروف مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصحف[82]، كما أقر بنفس الشيء صديق بن حسن القنوجي وهو حديث نسبيا: فقيل: أول من وضع النقط مراد والإعجام عامر وقيل: الحجاج وقيل: أبو الأسود الدؤلي بتلقين علي كرم الله وجهه إلا أن الظاهر أنهما موضوعان مع الحروف[83].

ويعزز هذا ما نُسب لابن مسعود قوله: جردوا القرآن، وأن ابن عمر وابن قتادة كانا يكرهان تنقيطه[84]، كما نقل ابن أبي داود [85] كراهة نقط المصحف من جانب كل من الحسن وابن سيرين وعباد بن عباد الخواص وقتادة وإبراهيم النخعي. وهذا معناه أنه كان منقوطا في ذلك الوقت؛ أي بواسطة زيد بن ثابت على الأقل، أو من قبل. وهناك ما يدل على أن نقط أبي الأسود الدؤلي كانت نقط الإعراب وليست نقط الإعجام[86]. وقد ذكر ابن الجزري ما يعزز أن القرآن كان منقوطا منذ عهد الرسول من أن الصحابة لما كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل[87]. كذلك استنتج أبو عمرو الداني أن  الصحابة وأكابر التابعين هم المبتدئون بالنقط ورسم الخموس والعشور[88]. وروي عن النبيّ أنه قال لكتبة الوحيْ: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاكتبوها بالياء[89]. وهناك قول منسوب لمحمد بن عبيد بن أوس الغساني كاتب معاوية بن أبي سفيان ذكره الخطيب البغدادي: حدثني أبي، قال: كتبت بين يدي معاوية كتابا فقال لي: يا عبيد ارقش كتابك، فإني كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا رقشته، قال: قلت وما رقشه يا أمير المؤمنين؟ قال: أعط كل حرف ما ينوبه من النقط [90].

 كما ذكر الطبري ما يعزز ذلك: واختلفت القرّاء في قراءة قوله: "فَتَبَيّنُوا"؛ فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة فَتَثَبّتُوا بالثاء، وذُكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء[91]. كذلك ذكر الفرَّاء: حدّثنا محمد بن الجهم، قال حدّثنا الفرَّاء، قال حدّثنى سفيان بن عُيَيْنة رفعه إلى زيد بن ثابت قال: كُتب في حجر "ننشزها" و"لم يتسن" وانظر إلى زيد بن ثابت فنقَط على الشين والزاى أربعا وكتب "يتسنه" بالهاء[92]. وقد كانت اللغة الآرامية منقوطة منذ القرن السادس[93] قبل كتابة القرآن وكانت واسعة الانتشار في الهلال الخصيب وشمال جزيرة العرب ووصلت مناطق أخرى وكانت العربية متأثرة بها ومعاصرة لها. وربما كان البعض ينقط والبعض لا. ويبدو أن  نقش جبل الرم المكتوب قبل الإسلام بنحو قرنين كان به بعض الحروف المنقوطة (ي ج ن)[94] وكذلك نقش أم الجمال الثاني[95]، بينما  نقش القاهرة المكتوب عام 32 هجرية غير منقوط[96]، مما يفيد بأن التنقيط وعدم التنقيط  قد تزامنا وأن التنقيط كان لبعض الحروف دون غيرها في النص الواحد.

ويعتقد بعض ممن يرفضون أن العربية كانت منقوطة أنها في ذلك كانت متأثرة بالخط النبطي وهو غير معجم وبه أحرف تنطق بأكثر من صوت كالعربية[97]، وهذا صحيح ولكن تأثير السريانية مؤكد أيضا.

عموما لا يوجد شيء مؤكد في هذه القضية وكل المتاح قرائن وتكهنات أكثر منها أدلة قاطعة.

أما تاريخ تنقيط، أو إعادة تنقيط المصحف، ووضع العلامات فغير معروف بالضبط والروايات متباينة. وأكثر العلماء رأى أن أول من نقَّط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي والبعض قال يحي بن عمرو، وأن الخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمز، و التشديد، و الرَوم، و الإشمام[98]. والشائع أن التنقيط تم بعد مصحف عثمان ب 40 سنة. لكن هناك ما يدل على أن تنقيط الحروف بدأ قبل أبي الأسود الدؤلي على الأقل، مما يتضح في نقش  يسمى "بردية أهناسيا" مكتوب سنة 22 هجرية[99].

يبدو أن عدم تنقيط وإعجام المصحف في عهدي أبي بكر وعثمان كان نتيجة لتعدد القراءات وليس سببا له. وما يمكن استنتاجه أن الخلافات كانت ستندلع لو أصر الخليفة على فرض قراءة بعينها فترك الأمر للخيار الشخصي. وقد أشار أبو عمرو الداني إلى ذلك: "ذلك كان عن اتفاق من جماعتهم (يقصد الصحابة الأوائل) وما اتفقوا عليه، أو أكثرهم فلا شكوك في صحته ولا حرج في استعماله وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة"[100]. وقد سادت قراءة عاصم برواية حفص بسبب سلاستها كما قيل، أو لأن الدولة العثمانية تبنتها لسبب ما وطبعت بها المصحف ثم أذيعت في الإذاعات وتبنتها البلدان التي حكمها العثمانيون على الأقل[101].

وما يعنينا من كل ذلك أن عملية تجريد المصحف لدى جمعه ثم توحيد رسمه  فتحت الباب واسعا أمام ظهور قراءات عديدة واختلافات في رسم المصحف العثماني. كما أنه لو كان المصحف منذ البداية منقوطا ومشكلا بالكامل وبطريقة لا تحتمل اللبس وتم جمعه وهو على هذه الحال وكتابته حسب تسلسله الزمني، أو حتى حسب الموضوعات التي يتضمنها لما ظهرت لا قراءات ولا مصاحف عديدة ولا علوم قرآنية عدة نشأت بسبب الاختلاف في القراءات؛ مثل علوم: القراءت - الوقف والابتداء مناسبات النزول الأحرف   التجويد -  التفسير - الناسخ والمنسوخ - غريب القرآن - إعراب القرآن، بخلاف التعقيدات البالغة للنحو العربي. فالغالب أن القرآن لم يكن في البداية لا مدونا بوضوح ولا تنقيطه كان كاملا وكان هناك اعتماد على الرواية الشفهية. بل نميل وفقا للمعطيات السابقة إلى أنه كان يُقرأ بطرق؛ أيْ بقراءات مختلفة، بسبب النقل الشفهي غير الدقيق دائما بطبيعة الحال وعدم وضوح الكتابة وعدم إتاحتها لعموم الناس. ولهذا وجدت لجنة أبي بكر صعوبة في جمعه واضطر عثمان إلى إعادة جمعه وإجراء تعديلات يدل عليها القول المنسوب إليه: فإذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش[102]، بالإضافة إلى إتلاف مصاحف عديدة..

أصول النحو: رغم الاعتقاد الجازم لدى المسلمين بأن لغة القرآن هيَ قمة العربية الفصحى لم يعتمد النحويون واللغويون عليه وحده لدى وضعهم قواعد النحو والصرف. فلجأوا إلى مصادر أخرى بجانب القرآن بحيث يمكن أن نقول إن هناك معيارا للغة القرآن من خارجه للحكم عليه.

استمد النحويون المادة الخام للغة العربية من عدة مصادر:

-          القرآن: وقد تم الاستناد إلى كل المصاحف، بما في ذلك القراءات المسماة شاذة التي تعد أقرب للعربية من الأحاديث مثلا. وقد اشتغل كثير من القراء بالنحو؛ منهم كبار النحاة الأوائل كالفراهيدي، كما جمع أئمة النحو بين اهتمامهم به واهتمامهم بالقراءات ومنهم سيبويه. وهناك من النحويين من استبعد قراءات معينة مثل المبرد، أما الغالبية فأخذوا بها أحيانا مفضلين بعضها.

- الشعر السابق على الهجرة ب 150 سنة واللاحق عليها ب 150 سنة: هذا رغم أن الشعر لا يتبع قواعد النحو ولا المتعارف عليه من اللغة بدافع بلاغي وقد أقر سيبويه بذلك. ولكن يبدو أن عدم وجود نصوص نثرية قبل القرآن قد اضطر النحويين إلى البحث عن مصادر نحوية في الشعر بالشرط المشار إليه.

- كلام من اعتبروا فصحاء العرب من البادية بينما تمت تنحية الحضر خصوصا في المراحل المبكرة، وكثير منهم كان يحصل على المال مقابل عبارات يذكرها للنحاة والبعض كان غير أمين في نقل اللغة لهم. وقد تم اعتماد قبائل معينة كمصادر للغة على أساس نقاء عربيتها، هيَ: تميم بعض طيء أسد بعض كنانة قيس - هذيل[103]، بل وجدنا من البصريين من يفتخر بأخذهم النحو من لغة البدو متهما الكوفيين بالأخذ من الحضر[104]. ورغم أن عموم النحويين اعتمدوا لغة المدر دون الحضر لنقائها، إلا أنهم اعتبروا لغة قريش أفصح اللغات وهيَ لغة حضرية، أيْ ليست نقية حسب معيار اللغويين، وقد اختلط في مكة الناس واللغات.. الحجة أن قريشا خالطت كل العرب وأخذت بأفصح لغاتهم[105]، وهذا الكلام أصبح مرفوضا من اللغويين المحدثين وقدموا الكثير مما يدحض هذا التصور[106]. الأرجح أن احترام لغة قريش جاء من كون الرسول قرشي مما أضفى عليها سمة التقديس. وقد ساهم الاعتماد على لغات البدو وجعل لغة قريش مرجعا أساسيا للنحو في مزيد من الاضطراب في هذا العلم؛ فإذا كان معيار الفصاحة هو البدوية لكان من المنطقي تنحية لغة قريش كمصدر، أما إذا كانت هذه أفصح لغات العرب فوجب الاكتفاء بها مصدرا لعلوم اللغة العربية الفصحى. أما التناقض بين فكرتين كليهما عنصرية فكان مصدرا للاضطراب. بل إن لغة فصحاء البدو نفسها صارت موضع شك لدى النحاة  مع الوقت وبعد أن أصبحت لديهم أدوات معيارية للغة العرب فصاروا يشككون في فصاحة بعص الفصحاء فرضا -  من البدو؛ مناقضين منطلقاتهم الأولى.

وحسب مصادر اللغويين لم يكن كل العرب يتبعون قواعد معينة؛ مثل نصب، أو رفع المبتدأ بعد "ليس"، والنحويون أخذوا بالأغلبية[107]، وبعضهم أجازوا استخدام لسان الأقلية أيضا، مثل سيبويه والفرَّاء في أكثر من موضع لكل منهما. فكان النحاة الأوائل أكثر مرونة إلا أنه مع تطور اللغة صارت القواعد أكثر صرامة، فاعتبر كلام الأقلية خطأ وهذا سبَّب مشكلة في إعراب القرآن. وقد أثرت القراءات المتعددة في الخلافات بين النحويين؛ فراح بعض النحويين يطعن في بعض القراءات لمخالفتها النحو منهم أبو عثمان والمازني وأبو الحسن الأخفش.

الرواية النثرية: منها أمثال العرب ورسائل الرسول للملوك، وقد اعتمد عليها النحويون أكثر من الشعر لما سبق ذكره.

  الحديث النبويِّ في عهود أحدث: وقد أخذ بها المحدثون من النحويين بينما رُفض الأخذ بها في بداية وضع النحو. أما ما  ذُكر عن أحاديث دُونت في عهد الرسول منها ما دونه عمرو بن العاص في صحيفة اسمها الصادقة؛ فكلها موضع شك في مصدرها حيث لم يأمر الرسول بتدوينها.

الخلاصة أن مصادر النحو شملت غير القرآن مصادر أخرى عديدة بحيث يمكن أن نستنتج أن لغة القرآن ليست هيَ المعيار المطلق للنحو بل ربما تضمنت لغات الأقلية التي سبق الإشارة إليها. ومن هنا جاءت الاختلافات بين لغة المصحف وقواعد النحو في بعض المواضع.

المرحلة التالية للاستماع إلى تلك المصادر كانت هيَ الاستقراء والقياس النحوي والعلة النحوية؛ ومن هنا ظهرت قواعد نحوية استخدمت في استنباط أحكام النحو دون الاستماع إلى لغة العرب؛ مثل تصريف كلمة قياسا لكلمة أخرى...

أخذ جل النحاة عن الأغلبية، أو الغالب؛ اللغة الفاشية بتعبيرهم، ونحُّوا القلة بقدر ما استطاعوا، وحتى سيبويه فعل ذلك اللهم إلا قليلا. لذلك لا تنطبق قواعد النحو على كل النصوص العربية الأصلية ومنها بعض القرآن بل يمكن أن يخرج عليها.

وقد أباح النحويون خروج الشعر على النحو، و أجازه ابن مالك للضرورة فقط، فهو يري أن الضرورة الشعرية تقع حين لا يكون للشاعر مندوحة عنها وحين يكون عاجزا عن التصرف في العبارة، كما أجاز ذلك في النثر أيضا.

النحو، وكذلك الصرف، ليس شيئا واحدا كما أشرنا من قبل، بل به خلاف؛ فمثلا البصريون يميلون للقياس والكوفيون يميلون للنقل، أو على الأقل الاستقراء من عدد قليل من الشواهد اللغوية، وبينهما أكثر من 100 خلاف[108]، وهما أكبر مدارس النحو، كما توجد مدارس أخرى؛ البغدادية، والأندلسية، والمصرية[109]. كما أن علم النحو قد تطور مع الوقت وغيَّر مصادره.

لقد لعب الاعتماد على لغات البدو المتعددة دون الحضر وعدم الاكتفاء بلغة الخاصة من العرب في وضع قواعد النحو دورا كبيرا في اضطراب علم النحو العربي ومفاقمة انقسام النحويين وبالتالي ظهور جدل كبير حول بعض عبارات، أو كلمات القرآن. وكان الأجدر بالنحويين الاعتماد على لغة الخاصة من العرب؛ الشعراء والخطباء والأهم: القرآن نفسه - لأن لغتهم كانت أكثر تطورا من لغات القبائل البدوية المعزولة وكانت بالطبع أقرب إلى لغة القرآن. وفي هذه الحالة كان من المؤكد أن اختلافات النحويين ستكون أقل ولكن لن تنعدم بالطبع لأن القرآن نفسه ليس نصا موحدا بل لعب تعدد القراءات دورا غير قليل في التنوع الكبير في قواعد النحو والصرف.

ورغم الخلافات بين النحويين صار النحو العربي بمدارسه سلطة معرفية ازدادت قوة مع الوقت وفرض النحاة  قواعدهم فرضا حتى على فطاحل الشعراء وبالتالي جعلوها حتى معيارا للغة القرآن الأكثر مرونة، ونحوا جانبا كلاما كثيرا للعرب مكتفين بكلام الأغلبية كما بلغهم، بل واستخدموا القياس لاستنباط قواعد جديدة غير مرصودة في كلام العرب. فبعد أن كان النحاة يتسولون، أو يشترون الكلام من فصحاء العرب لبناء علمهم، صاروا  يوجهون الانتقادات لفحول الشعراء وكبار الفصحاء لأنه يخرج على القواعد التي سنوها[110]. وبناء على قواعد النحو والصرف التي سنوها؛ كشفوا عما أسموه شذوذا (بمعنى مخالفة كلام الأغلبية سواء في الاستعمال أو القياس أو كليهما[111]) بعض الصيغ القرآنية بما فيها القراءات السبع، مثل  حذف "أن" المصدرية في: "ومن ءايـٰته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأَرض بعد موتها" (سورة الروم: 24)، واعتبار جمع "الأحمال" شاذا أيضا في: "وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (سورة الطلاق: 4)[112]، وغيرها كثير، بخلاف شذوذ قراءات عديدة غير السبع أو العشر. وهم إن لم يتجرأوا على القرآن بشكل مباشر إلا قليلا، راحوا يبذلون الجهد المتكلف لإخضاعه لقواعدهم وقياساتهم.

 لقد صار النحو معيارا للفصاحة العربية رغم كونه مصطنعا، أو مبتدعا جزئيا.

وكان ضمن نتائج ذلك إنتاج قواعد نحوية بالغة التعقيد وأصبح لا يستطيع المرء العادي المتعلم أن يقرأ ويكتب العربية على نحو ما يريد النحاة بل صار من الضروري أن يكون المرء متخصصا في علوم اللغة حتى يجيد استعمال العربية.

وبناء على النحو قام النحويون بقراءة القرآن محاولين إعرابه وفقا لتلك القواعد، محاولين تطويع النص لقواعدهم بشكل ظهر متكلفا في أحيان كثيرة كما سنرى، بل ومنتقدين نصوص بعض قراءاته أحيانا. وقد أقروا قراءات اعتبروها متواترة بينما حكموا على الأخرى بأنها شاذة ومنها قراءة ابن مسعود الذي عاصر النبيّ واستمع منه للقرآن.

 ومن النحويين من اعتبر القراءات سُنَّة؛ مفضلا بعضها على بعض؛ مثل سيبويه، ومن حدد القراءات التي اعتبرها صحيحة واعتبر الباقي خطأ، ومنهم المبرد الذي وصف بعض القراءات الشاذة باللَّحن، والغلط، والقبح، وعدم الجواز[113].

ونظرا لاختلاف القراءات وخروج القرآن على عرف اللغة أحيانا ظهرت مسائل جدالية فيما يخص كثيرا من ألفاظ وعبارات القرآن سنقدم بعضا منها حسب القراءة السائدة حاليا؛ رواية حفص عن عاصم  طريق الشاطبية. والقراءة منسوبة لعاصم بن بهدلة أبي النَّجُود الكوفي وتمت روايتها، أو نقلها عن طريق حفص بن سليمان الكوفي، وهذه الأخيرة نُقلت للقراء بطريقين بينهما اختلافات محدودة[114]؛ طريق روضة المعدل وتسمى: الروضة في القراءات السبع للشريف أبي إسماعيل، وقد نقل الروايات عن آخرين قبله، وطريق الشاطبية وهو منظومة شعرية تسمى: حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع لأبي القاسم الرعيني الشاطبي الأندلسي، وقد نقل الروايات من طريق آخرين سبقوه. وقد شرح كل من أبي اسماعيل والشاطبي ما يميز رواية حفص حسب ما رأى.

وبالنسبة للقراءات الأخرى فقد تجادل فيها المفسرون واللغويون أيضا وتمتليء كتب التراث بهذا الجدل[115]، وسنشير إليها حين يتطلب موضوع البحث.

       ********************************************

3- عدم التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه:

 

الآية 69 من سورة المائدة:

وهيَ من أكثر الآيات التي أثارت الجدل بين النحويين.

"إنَّ الذين ءامنوا  والّذِين هادُوا والصّبـِٰئُونَ والنّصـٰرىٰ من ءامنَ بِاللّهِ واليومِ الأخِرِ وعمِل صـٰلِحاً فلا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنُون".

وقد تكررت الآية في سورة البقرة (آية: 62) مع تقديم "النصارى" على "الصابئين" ونصب اللفظ الأخير:

"إنَّ الذين ءامنوا والذين هادوا والنّصـٰرى والصّـٰبئين من ءامن باللّه واليومِ الأخرِ وعمل صٰلحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون".

وتكرر النصف الأول منها مع إضافة "المجوس" في سورة الحج:

"إنَّ الذين ءامنوا  والّذِين هادُوا والصّـٰبئين والنّصـٰرىٰ والمجوسَ والذين أشركوا إنَّ اللّه يفصل بينهم يوم القيامة إنَّ اللّه على كل شيء شهيد" (آية: 17).

ومن المعروف أن من قواعد اللغة العربية القياسية أن "إنَّ" تنصب المبتدأ وترفع الخبر وأن المعطوف يكون مثل المعطوف عليه نصبا، أو رفعا، أو جرا. وتكمن إشكالية الآية 69 من سورة المائدة في رفع لفظ "الصابئون" خلافا لتلك القواعد، وهو ما أثار كثيرا من الخلاف بين اللغويين ومفسري القرآن منذ عصر التدوين ودار الجدل في محاولات مضنية لنفي أي خروج محتمل في القرآن على العربية القياسية مع استخدام كل التعليلات الممكنة كما سنري في هذا العرض.    

- خلاصة رأيُ سيبويه[116]:

 "والصابئون" مبتدأ في جملة جديدة، كما قال الشاعر، بشر بن أبي خازم:

 

وإلاّ فاعلَموا أنّا وأنتم... بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ

كأنه قال: بُغاةٌ ما بقينا وأنتم.

وهذا رأي البصريين عموما[117].

وهو تعليل لا يبرر الآية الأخرى التي نصبت فيها "الصابئين".

وفي  بابٌ "ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة"؛ قال:

انتصابَه إذا صار ما قبله مبنيا على الابتداء لأن المعنى واحدٌ في أنه حالٌ وأن ما قبله قد عمِل فيه ومنعه الاسمُ الذي قبله أن يكون محمولاً على "إنَّ".

وذلك قولك: إن هذا عبدُ الله منطلقاً وقال تعالى: إن هذه أمتُكم أمة ً واحدة ً....

وأما قوله عزّ وجلّ: "والصابئون"  فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتدأ على قوله   والصابئون   بعدما مضى الخبر[118]، وهذا هو نفس تعليقه  في الفصل المشار إليه أعلاه. وليس من الممكن اعتبار "الصابئون" حالا فلماذا ضرب هذه الأمثلة؟!. أما اعتبارها مبتدأ فممكن لكن ما حال الآية الأخرى الشبيهة؟.

- وقد ذهب صاحب "مشكل إعراب القرآن"[119] مذهبا مشابها: والصابئون: مبتدأ وخبره محذوف لدلالة خبر الأول عليه، والنية به التأخير، والتقدير: إن الذين ءامنوا..  من آمن.... والصابئون كذلك.

أما في تفسير الآية 62 من سورة البقرة فلم يعلق على نصب "الصابئين"؛ "مَن": اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، جملة  "فلهم أجرهم": جواب شرط جازم مقترن بالفاء، "عند ربهم": ظرف مكان متعلق بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر، "ولا خوف عليهم": "لا"  نافية تعمل عمل ليس، "خوف"  اسمها مرفوع. وجملة  "من ءامن فلهم أجرهم":  في محل رفع خبر "إن الذين"، وجملة  ولا خوف عليهم:  معطوفة على جواب الشرط في محل جزم[120].

وحين فسر آية سورة الحج قال إن  جملة "إن الله يفصل" هيَ خبر لعبارة "إن الذين"، والظرفان: "بينهم"، و "يوم"  متعلقان بـ  يفصل[121].

فلماذا تكون اسم شرط مبتدأ... إلخ في سورة المائدة وليست كذلك في سورة الحج رغم أن ترتيبها واحد في الموضعين؟.

- تفسير العكبري[122] معناه أن "والصابئون" تُقرأ بالنصب عطفا على "الذين"، وهذا جاء في قراءات شاذة لكنه صحيح باللغة القياسية، مثل آية سورة البقرة. والقراءة الأشهر بالرفع. وفيها أقوال:

 الأول قول سيبويه. والثانى أنه معطوف على موضع "إن"، مثل: إن زيدا وعمرو قائمان. وهذا خطأ لان خبر "إنَّ" لم يتم، و"قائمان" إن جعلته خبر "إنَّ" لم يبق لعمرو خبر، وإن جعلته خبر عمرو لم يبق ل "إنَّ" خبر، ثم هو ممتنع من جهة المعنى لأنك تخبر بالمثنى عن المفرد. وكذلك لو قلت: إن عمرا وزيد قائم، فرفعت زيدا جاز على أن يكون مبتدأ وقائم خبره، أو خبر إنَّ، ومعنى كلامه أن "إنَّ" يكون لها اسم وخبر لهذا الاسم وحده دون المعطوف عليه إن وجد. والقول الثالث أن "الصابئون" معطوف على الفاعل في "هادوا". وهذا فاسد لوجهين: أحدهما أنه يوجب كون الصابئين هودا وهم ليسوا كذلك. والثانى أن الضمير لم يؤكد. والقول الرابع أن يكون خبر "الصابئون" محذوفا وهو ضعيف أيضا. والقول الخامس أن "إن" بمعنى "نعم"، فما بعدها في موضع رفع، فالصابئون كذلك. والسادس أن "الصابئون" في موضع نصب، ولكنه جاء على لغة بلحرث الذين يجعلون التثنية بالألف على كل حال، والجمع بالواو على كل حال وهو بعيد. والقول السابع بجعل النون حرف الإعراب.

واضح أنه قد أخذ بالتفسير الخامس، ولكن هذا لا يفسر لنا نصب نفس الكلمة في آية سورة البقرة، كما أن اعتبار "إنَّ" بمعنى "نعم" فيه جدل بين النحويين وليس من المعطيات الثابتة في لغة العرب، لكنه محتمل.

رأيُ ابن جنيِّ[123]: فان عطفت على اسم "إنَّ" ولكن بعد خبرهما (التشديد من عندنا) جاز لك النصب على اللفظ، والرفع على موضع الابتداء، تقول: إن زيدا لقائم وعمراً، وإن شئت قلت وعمرُو، وكذلك: لكن جعفراً منطلق وبِشْرًا، وإن شئت قلت وبشرٌ، ولا يجوز العطف على معنى الابتداء مع بقية أخواتها لزوال معنى الابتداء وتشبه "لا" ب "إن". وهذا لا يعلل شيئا؛ ف "الصابئون" معطوف على اسم "إنَّ" لكن قبل خبرها وليس بعده.

وذهب الكوفيون عموما ومنهم الفرّاء إلى أن ذلك إنما يجوز إذا لم يظهر عمل؛ فـ "الصابئون" رفعٌ بالعطف على موضع إنَّ (المقصود موضع اسم إنَّ قبل دخولها على الجملة فتكون "إنَّ" لا عمل لها مع "الصابئون") ولم يأت بالخبر الذي هو "مَن ءامن بالله". وروي عن بعض العرب: "إنّك وزيدٌ ذاهبان" وهذا النصٌّ مثال على ما ذهبوا إليه؛ ف "زيد" جاءت بالرفع بينما الكاف في "إنَّك" منصوبة لأنها اسم "إنَّ"، والمقصود أن "زيدٌ" ليس اسما لإنَّ بل معطوف على اسمها قبل إضافتها للجملة، ولكنها أضيفت للجملة، فالفروض أن تؤثر في إعرابها وهذا ما تجاهله الكوفيون كأنَّ "إنَّ" لا عمل لها. فأمّا أبو الحسن والكسائيّ، فأجازاه سواءٌ كان يظهر فيه عمل العامل، أو لم يظهر، نحو القول: إنّ زيدًا وعمرٌو قائمان، وإنّك وبكرٌ منطلقان[124]، وعلى ذلك يجوز رفع أو نصب "الصابئون". خلاصة القول أن "إنَّ" ضعيفة تؤثر في الاسم دون الخبر[125]، وهو نفس كلام الفراء؛ إلا أن "الصابئون" معطوفة على اسم "إنَّ" وليست بخبر، فيكون كلام الفراء غير متسق[126].

آراء بعض مفسِّري القرآن:

ابن كثير: قال إنه "لما طال الفصل حسن العطف بالرفع". وهو تعليل ضعيف؛ فالفصل لم يطل؛ فلفظ "الصابئون" هو المعطوف الثاني في آية سورة المائدة وجاءت منصوبة رغم أنها أيضا المعطوف الثاني في آية سورة الحج ومنصوبة كذلك رغم انها جاءت المعطوف الثالث في آية سورة البقرة، أيْ كان الفصل أطول ولم ترفع.

الثعالبي[127]: فاختُلف في إعرابها، ومذهب سيبويه، والخليل، ونحاة البصرة: أنه من المقدّم الذي معناه التأخير... ووجه ثان أن خبر إنَّ محذوف؛ أيْ "إن الذين ءامنوا  لهم أجرهم"، وخبر الصابين "من آمن" وما بعده. قال ابن عصفور وهو حسن جدا إذ ليس فيه أكثر من حذف خبر "إنَّ" للفهم وهو جائز في فصيح الكلام. وذكر قول ابن مالك: وهو أسهل من التقديمِ والتأخيرِ. وقيل: إن أصلها "الصابئِين" في موضِعِ نصب، ولكنه جاء على لغة بلحارِثِ الذين يجعلون التثنية بالألف على كل حال، والجمع بالواو على كل حال؛ قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.

لكن خبر إن هنا غير محذوف كما هو واضح من الآية؛ وإلا فما وضع "لهم أجرهم ولا خوف عليهم.. "؟.

القرطبي: لم يقدم رأيا خاصا إنما ذكر بعض الآراء لغيره: "والذين هادوا" معطوف، وكذا "والصابئون" معطوف على المضمر في هادوا في قول الكسائي والأخفش. قال النحَّاس: هذا خطأ من جهتين؛ إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكَّد[128]. والجهة الأُخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال. ثم ساق رأيَ الفرَّاء السابق، ودعَّم الرأي القائل بأن "إنّ" بمعنى "نعم فالصابئون مرتفع بالإبتداء، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر. وقد جاءت "إنَّ" بمعنى "نعم" في قول قيس الرقيات:

بَكرَ العواذلُ في الصَّبا  ...   حِ يلمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ

ويقُلْنَ شَيْبٌ قد علاَ ...   كَ وقد كبِرت فقلت إنّهْ

قال الأخفش: "إنه" بمعنى  "نعم"، وهذه  الهاء أدخلت للسكت.

وإذا قبلنا هذا تكون إنَّ قد جاءت بمعنى "نعم" لكن في آخر الجملة لا في أولها، وهذا يختلف عن موضعها الآية موضوع الجدال.

- جلال الدين السيوطي[129]: والتقدير: إن الذين ءامنوا  والذين هادوا إلى قوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك؛ فحذف الخبر وفصل بين اسم إن بمبتدأ مؤخر تقديراً. وقال الشاعر:

ومن يك أمسى بالمدينة رحله   ...    فإني وقياراً بها لغريب

 أيْ: إني لغريب وإن قياراً كذلك.

وهو نفس رأيْ سيبويه وعامة البصريين كما رأينا.

- أبو حيان الأندلسي: قال في تفسير البحر المحيط ما يعني أن هذا يحتمل أكثر من قراءة؛ فهناك قراءات بالنصب: "والصابئين"، وغيرها بالرفع: " والصابئون" وقرأ القراء السبعة: والصابئون بالرفع، وعليه مصاحف الأمصار، والجمهور. وذكر التعليلات المختلفة: تعليل كل من البصريين الكوفيين السابق، ورأي الكسائي الذي أجاز رفع المعطوف على الموضع سواء كان الاسم مما خفي فيه الإعراب، أو مما ظهر فيه، بخلاف الفرَّاء؛ فإنه أجاز ذلك بشرط خفاء الإعراب، واسم "إن" هنا (يقصد "الذين")، خفي فيه الإعراب؛ أي ليس واضحا إن كانت مرفوعة أم منصوبة. كما روى رأيا آخر للكسائي؛ أنه مرفوع معطوف على الضمير المرفوع في "هادوا"، ورد بأنّ العطف عليه يقتضي أنّ الصابئين تهودوا، وهو مالم يحدث. وانتقد الرأي القائل بأنَّ تكون "إنَّ" بمعنى "نعم"، فاعتبره رأيا ضعيفا؛ لأن ثبوت "إن" بمعنى "نعم" فيه خلاف بين النحويين، وبفرض ثبوت ذلك من لسان العرب فتحتاج إلى شيء يسبقها تكون تصديقاً له، ولا تجيء في أول الكلام بل ينبغي أن تكون جواباً لكلام سابق.

- استعرض الفخر الرازي[130] آراء النحويين حول الآية ورفضها جميعا، وهاك موجز تعليقه: هذا الكلام ضعيف، لأسباب: الأول: أن هذه الأشياء التي يسميها النحويون: رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها، أو لأعيانها، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال، والثاني أن كلام النحويين مبني على أن كلمة "إنَّ" تنصب الإسم وترفع الخبر، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون: لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر البتة. والوجه الثالث: وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبرا عنها جميعا بل عن أحدها فحسب، وشرح ذلك بطريقة معقدة: "لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة. وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحدا إلا أنه في التقدير متعدد، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف والبعض بالابتداء، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد. ولذلك فإن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالابتداء. وإذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذ عطفنا اسما على حكم صريح العقل أنه لا بد من الحكم بتقدير الخبر، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام".

 وهذا الكلام عبارة عن تعليلات فقهية لغوية شديدة التعقيد ولا تحل الإشكالية؛ من ذلك القول بأن الخبر لا يكون لأكثر من مبتدأ " لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة" حسب قوله، به مغالطة؛ فالأشياء قد تشترك في صفة واحدة رغم اختلافها في باقي الصفات، فيأتي الخبر عن هذه الصفة وينطبق على الاسم والمعطوف عليه.

وللشعراوي[131] رأيٌ لم يقل به غيره حسب علمنا؛ محتواه: إذا أخذنا بالإعراب فإن "الصابئون" يجب أن تأتي منصوبة لأنها معطوف على اسم إنَّ وهيَ تنصب اسمها. بينما جاءت في آية أخرى منصوبة في مكانها ودون كسر للإعراب، وهيَ قد جاءت مرفوعة قبل كلمة "النصارى" ومنصوبة بعدها. والصابئة كانوا قوماً متقدمين قبل مجيء النصرانية، فإن أردنا أن نعرف زمانهم نجد القرآن يقدمهم على النصارى، وإن أردنا أن نعرف منزلتهم نجدهم يأتون بعد "النصارى". إذن فعندما أرّخ الله لزمانهم جاء بهم متقدمين، وعندما أرّخ لكمّهم ومقدارهم يؤخرهم عن النصارى؛ لأنهم أقل عدداً. وجاء بها مرة منصوبة ومرة مرفوعة، لنعرف ونلتفت إليهم. وكسر الإعراب كان لمقتضى لفت الانتباه. وكان الصابئة قوماً يعبدون الكواكب والملائكة، وهذا لون من الضلال. إذن فهناك اليهود والنصارى الذين عرفوا أن هناك إلهاً، وهناك المنافقون الذي أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولكن لم يلمس الإيمان قلوبهم. وأراد الله أن يلفتنا إلى أن الصابئين هم قوم خرجوا عن دائرة التسليم بوجود إله، وأنه يغفر لهم إن ءامنوا  وعملوا صالحاً (التشديد من عندنا).

الحقيقة أن الصابئة حسب كثير من المراجع كانوا يؤمنون بوجود إله[132]، بل إن آية سورة الحج تميز بوضوح بين الذين أشركوا وبين الصابئة والمجوس والنصارى والآية واضحة بلا لبس وتعني أن الصابئة لم يكونوا مشركين، ومن المعروف أن المسلمين وصفوا في البداية بالصابئة من قبل القرشيين، فالحجة كلها قائمة على معلومة خاطئة؛ فهيَ معدومة. كما أن حجة لفت الانتباه هنا شديدة الضعف، فلا مبرر لها؛ فقد كان يكفي للفت الانتباه تقديم اللفظ، أو حتى جعله سابقا على "الذين ءامنوا"  فكان ذلك سيلفت الانتباه أكثر كثيرا. هكذا يبرر الشعراوي رفع اللفظ تبريرا غير معقول، حتى لا يقر كما يبدو بوجود خطأ نحوي بالقرآن ولم يلتفت لاحتمال وجود سبب آخر لهذا الكسر لقواعد اللغة كما وصفه.

    وقد تكررت نفس الإشكالية السابقة بخصوص الآية 3 من سورة التوبة: "أنَّ اللهَ بريء من المشركين ورسولُه".. "رسولُه" مرفوعة رغم أنها معطوفة على "الله"..

عللها بعض النحويين بأن "أنَّ" لتوكيد المعنى فقط ولذلك جاز رفع ما عطف عليه. وهذا يعني أنها ليست حرف نصب، وهذا يذكرنا بالجدل حول آية 69 من سورة المائدة. ويمكن أن نقول: رسولُه مبتدأ محذوف خبره تقديره: ورسوله بريء من المشركين. والعبارة واضحة بما فيه الكفاية. وقد ذهب النحويون فعلا هذا المذهب ضمن تعليلات أخرى منها: الابتداء، واعتبار الواو استنافية وخبر رسوله محذوف معلوم من سابقه، والتقدير: ورسوله بريء من المشركين، أو ورسوله كذلك، أو العطف على الضمير المستتر في "بريء"، والتقدير هو: بريء هو ورسوله، أو العطف على محل اسم إنَّ، أو على محل إنَّ مع اسمها. وهناك من قرأ ورسولَه بالنصب عطفا على "الله"، أو على أن اللفظ مفعول به. كما قرأ بالجر ورسولِه تأثرا  بالمجاورة للفظ السابق عليه.. وكل هذا وارد في لغة العرب.

المشكلة الأساسية في تعليلات معظم اللغويين والمفسرين أنها لم تستطع تقديم تفسير مقنع للقول: "الصابئون" في سورة المائدة، و "الصابئين" في آيتي البقرة والحج وقد انصبت كافة جهودهم على التبرير اللغوي لرفع اللفظ في آية سورة المائدة دون الاهتمام كثيرا بنصبه في آيتيّ الحج والبقرة، باستثناء الكوفيين. وقد استخدم اللغويون اللغة العربية القياسية كمعيار للغة القرآن محاولين بشتى الطرق البرهنة على التزامه بقواعد هذه اللغة التي استخرجوها منه ومن غيره. وعلى سبيل المثال إذا كانت "إنّ" قد جاءت بمعنى "نعم" فرفعت الصابئون فلماذا لم ترفعها في الآيتين الأخريين؟. وقد جوَّز الكوفيون الرفع والنصب لأنهم يرون أن "إنَّ" لا تؤثر في الخبر؛ عكس قاعدة النحو  عند البصريين، وهذا التعليل ليس أكثر اتساقا مع تركيب الآية والمعنى المفهوم منها والاختلاف بين الرفع والنصب في الآيات الثلاث المذكورة، لأن "الصابئون" معطوف على مبتدأ وليست خبرا.

وإذا عدنا لتعليلات اللغويين للآية الأولي وجدنا أراء متناقضة ومبررات خلاصتها أنه يجوز كتابة العربية بهذه الطريقة التي تقبل تفسيرات متعددة بل بلا نهاية.. أما الآية الثانية المتسقة مع النحو الرسمي فتنقض كلام البصريين، أو تقودنا لاستنتاج جواز الرفع والنصب وهو ما ذهبت إليه مدرسة الكوفة عموما بمبررات غامضة. فيكون "الخطأ" هو خطأ نحاة البصرة لا "لحن" المصحف.

أما آية "إنَّ الذين ءامنوا  والذين هادوا والنّصـٰرى والصّـٰبِئين من ءامن باللّه واليومِ الآخرِ وعمل صـٰلحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون"، فقد قُرئت: الصابون: قرأها أبو جعفر[133]. وقرأها نافع: الصابون والصابين بغير همز[134]. وقرأ الباقون الصابئين بالهمز[135]. ولم تثر هذه الآية لغطا يذكر بين النحويين.

الخلاصة أن هناك شك في مدى انطباق قاعدة "إنَّ" التي وضعها البصريون على كلام العرب القديم ومنه نص القرآن، وكان الأقرب للمنطق هو وضع قاعدة أكثر مرونة بناء على لغة القرآن وبعض كلام العرب؛ فليس من الضروري للعربية أن تكون "إنَّ" وأخواتها عاملة أصلا.

الآية 162 من سورة النساء:

"لكنْ الراسخون في العلمِ منهم والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك والمقيمين الصلـٰوة والمؤتون الزكـٰوة والمؤمنون باللّه واليومِ الآخر أُولٰئِك سنُؤتِيهِم أجرا عظيما".

هنا تم نصب المعطوف على اسم مرفوع بدون وجود "إنَّ" كما في آية سورة المائدة. وهذا يشبه قول الشاعرة الجاهلية الخرنق بنت بدر:

 لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو   ...    سُمّ العُداة وآفَة الجزر
     النازلون بكلّ معترك        ...     والطيِّبيّن معاقِدَ الأزْر[136]

وشعر الكسائي:

وكل قوم أطاعوا أمر مرشدهم  ...   إلا نميرا أطاعت أمر غاويها

الظاعنين ولما يظعنــوا أحـدا ...      والقائلون لـمن دار نخليها

ذكر ابن عاشور[137] نفس الرواية المكررة عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب "المقيمين" خطأ  من كاتب المصحف، وضرب مثالا بالشعر السابق للتدليل على أنه ليس هناك من خطأ، معللا ذلك بنوع من البلاغة، راجعا إلى سيبويه وإلى التعليق المنسوب زعما لعثمان بن عفان بالقول: أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها.  

     فسرت الآية لغويا بعدة وجوه: "والمقيمين الصلاة"، مخفوض[138] بعطفه على "ما" في قوله "بما أنزل إليك"، فيكون التقدير هو: " يؤمنون بما أُنزل إليك، وبالمقيمين الصلاة " ويقصد بهم الملائكة[139]، أو معطوفٌ على "هم" في "منهم"، ويكون التقدير هو: "لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة"، أو على الضمير في "إليكَ"، ويكون التقدير هو: "يؤمنون بما أُنزل إليكَ، وإلى المقيمين الصلاة "[140]. وكلها تعليلات لا تتسق مع ظاهر العبارة؛ الواضحة تماما. وهناك التفسير بالنصب على المدح قال به بعض البصريين والكوفيين حسب الطبري[141]: "والمقيمين الصلاة" من صفة "الراسخون في العلمِ"، ولكن لما كان الكلامُ تطاول، واعترض بين "الراسخين في العلم" و " والمقيمين الصلاة" ما اعترض من الكلام فطال، نصب المقيمين على وجه المدح".

وقيل أنه نسقٌ على الهاء والميم من قوله "مِنْهُمْ"؛ فالمعنى: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إِليك. قال الزجاج: وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إِلا في الشّعر[142].

وذكر الطبري[143] أن ابن مسعود قرأها: والـمقـيـمون الصلاة وهو إقرار ضمني إما بوجود خطأ نحوي، أو لإمكانية القراءتين في العربية. وقد أنكر البعض أن يكون نصب "الـمقـيـمين" (وكذلك "والصابرين" في سورة البقرة: 177، كما سيأتي) جاء علـى وجه الـمدح، على أساس أنه من غير الجائز عند العرب  نصب لفظ على المدح، وهو في وسط الكلام بل بعد تمام خبره. وفي النهاية اعتبر أن الصواب هو: أن يكون الـمقـيـمين فـي موضع خفض نسقا علـى ما التـي فـي: "بما أنزل إلـيك وما أُنزل من قبلك".

وذكر العكبري[144] تعليلات عدة  بخصوص "والمقيمين" ذكرنا بعضها؛ أحدها أنه منصوب على المدح، والثانى أنه معطوف على "ما": أيْ يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين، والمراد بهم الملائكة، وقيل التقدير: وبدين المقيمين فيكون المراد بهم المسلمين، والثالث أنه معطوف على "قبل"؛ تقديره: ومن قبل المقيمين، فحذف "قبل" وأقيم المضاف إليه مقامه، والرابع أنه معطوف على الكاف في "قبلك"، والخامس أنه معطوف على الكاف في "إليك"، والسادس أنه معطوف على الهاء والميم في "منهم"، وهذه الأوجه الثلاثة عندنا خطأ، لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجار.

واعتبر البعض أن خفض "المقيمين" جاء بسبب المجاورة؛ اتباعا للكلمة المجاورة لها: "قبلِك" وهي مجرورة[145]، مثلما جاءت كلمة "المشركين منصوبة بينما الأصل أن تكون مرفوعة في: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتـٰبِ والْمُشْرِكِينَ منفكين حتىٰ تأتيهم البينةُ" (سورة البينة: 1)، وجاءت كلمة "محيط" مجرورة في: " وإني أخافُ عليكم عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ" (سورة هود: 84) تأثرا بالكلمة المجاورة لها: "يومٍ"، بينما الأصل أن تكون منصوبة لأنها تعود على "عذابَ". هذا ما يسمي في النحو بالمجاورة وقد أجازه بعض النحاة[146] ورفضه بعضهم[147]، واعتبره سيبويه غير فصيح أو غير قياسي[148]. لكن تكرار نفس الإعراب في آيات أخرى وفي الشعر يرجح المجاورة كتعليل لجر "المقيمين" في الآية المذكورة. وهيَ التي يرفضها سيبويه لأنها غير قياسية حسب رأيه - مع أن القرآن يخالف اللغة القياسية في مئات المواضع كما هو واضح في هذا البحث والأصح أن نقول إن اللغة المسماة قياسية هيَ أيضا خالفت القرآن في مواضع كثيرة؛ ببساطة لأنها صُنعت بعده. وقد رأى سيبويه أنه نصب على المدح[149] وهو رأيُ البصريين عامة ً: مستشهدا بالشعر سابق الذكر. فرفع "الطيبين" كرفع "المؤتين". ومن العرب من يقول: الظاعنون والقائلين، فنصبُه كنصب الطيبين، إلا أن هذا شتمٌ لهم وذمٌّ، كما أن الطيبين مدحٌ لهم وتعظيم.

وذكر آخرون تعليلات أخرى بعضها مشابهة[150].

والبعض أنكر أن يكون نصب المقيمين على المدح  على أساس أن المدح يأتي بعد تمام الخبر، منهم الطبري كما أسلفنا وأبو جعفر النحَّاس[151] ولا نعرف من أين جاءوا بهذه الفكرة.

الآية 177 من سورة البقرة: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الأخر والملـٰئكة والكتـٰب والنبيِّن وءاتى المال على حبه ذوي القربىٰ واليتامىٰ والمسـٰكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلـٰوة وءاتى الزكـٰوة والموفون بعهدهم إذا عـٰهدوا والصـبٰرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".

أما رأيِ القرطبي فهو: "والصابرين" نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح وعلى الذم، وقاس على ذلك أيضا "الصابئين" في آية سورة المائدة. واتفق الطبري والجلالان على أنه نصب على المدح كما يفعل العرب. كما ذهب القرطبي أيضا إلى احتمال النصب على إضمار فعل، ومثله ذهب العكبري ومكي والبغوي، وتقدير الفعل: "أعني"[152]. ومثل ذلك قيل على "والمقيمين الصلاة"[153]. وإذا قبلنا فكرة الفعل المضمر هذه فسيكون من الممكن كسر كثير من قواعد اللغة بهذه الحجة مثل القول: قام العمال والفلاحين بإضرابات، فنعلل نصب "الفلاحين" بأنه على إضمار فعل ويكون تقدير الجملة: قام العمال وأعني كذلك الفلاحين بإضرابات، أو "وأضيفُ الفلاحين"، وهو كما نرى تكلف مبالغ فيه.

 وأضاف رأيا قيل؛ اعتبر "الموفون" مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره: وهم الموفون لكنه رأي لا يبرر نصب "الصابرين".

وقال الكسائي: "والصابرين" عطف على "ذوي القربى" كأنه قال: وآتى الصابرين.

ووفقا لهذا الرأي الوجيه لغويا يمكن تقدير الجملة كالآتي: ولكن البر من آمن بِاللَّه واليومِ الآخرِ والملائكة والكتاب والنبيّين وآتى المال على حبه ذوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبِيل والسائلين وفي الرقاب والصابِرِين في البأْساء والضراء وحين البأس وأَقام الصلاة وآتى الزكاة. والبر كذلك الموفون بعهدهم إذا عاهدوا أولئك الذين صدقوا وأُولئك هم المتقون. ولكن هل يُمنح المال للصابرين في البأساء والضراء؟؟ أليس من الممكن أن يكون هؤلاء من الأغنياء؟ فالأقرب إلى المعنى أنهم ضمن الموصوفين بالبر وبالتالي كان يجب رفع "الصابرين"، إلا إذا أخذنا بفكرة النصب على المدح، ويكون تقدير العبارة: أمدح الصابرين.

ونقلا عن القرطبي قال النحَّاس: وهذا القول خطأ وغلط بيِّن؛ لأنك إذا نصبت "والصابرين" ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة من وإذا رفعت "والموفون" على أنه نسق على "من" فقد نسقت على "من" من قبل أن تتم الصلة، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف، وقال الكسائي: وفي قراءة عبد الله: والموفين، والصابرين، وقال النحَّاس: يكونان منسوقين على "ذوي القربى"، أو على المدح.

وقرأ يعقوب والأعمش والموفون "والصابرون" بالرفع فيهما، وقرأ الجحدري "بعهودهم" (وليس "بعهدهم" كما في رواية حفص). وقد قيل: "والموفون" عطف على الضمير الذي في "آمن"؛ وأنكره أبو علي وقال: ليس المعنى عليه... إلخ.

الواضح أن محاولة تطويع العبارة لقواعد النحو غير ناجح أبدا ومتكلف كثيرا. فيبدو أن النصب على المدح هو الأقرب للغة العرب الأصلية وهو ما تجاوزته اللغة القياسية.

سورة المسد: "تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنىٰ عنه ماله وما كسب(2) سيصلىٰ نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالةَ الحطب (4) في جيدها حبل من مّسد(5)". هنا تأتي كلمة "حمالة" منصوبة في رواية حفص (مرفوعة في غيرها؛ منها قراءة ابن كثير)، وضمن احتمالات إعرابها أن تكون منصوبة على الذم كما ذهب الفراهيدي[154]: والنصب بالذم كقولهم "مررت بأخيك الفاجرَ"؛ نُصبت "الفاجر" على الذم، وعلى هذا ينصب هذا الحرف.. وقدم مثالين من القرآن: "مذبذبين بين ذٰلك" (سورة النساء: 143) و"ملعونين أينما ثقفوا" (سورة الأحزاب: 61). وذهب مثله صاحب إعراب القرآن وبيانه[155]، والفرَّاء[156]. وهناك تقديرات أخرى منها النصب على الحال، والرفع على أنه خبر.. إلخ[157]. وهناك قراءات أخرى عديدة  للفظ "حمالةُ" بالرفع؛ على اعتبار الواو حرف عطف فتكون حمالة معطوف على "يدا"، أو تكون الواو استئنافية فتعتبر "حمالة" مبتدأ[158].

وظاهرة مخالفة الشائع من الكلام عند العرب معروفة في الكلام الموزون للفت الانتباه، أو لغير ذلك، ليس فقط بالرفع والنصب بل أيضا بتأنيث المذكر وتذكير المؤنث، فليس هذا المبرر غريبا عن العرب. فمن الشعر نذكر:

يا أيها الراكب المُزْجي  مَطَّيته  ...   سائل بني أسدٍ ما هذه الصوتُ[159]

وسوف نتناول هذه الظاهرة تفصيلا في موضع آخر.

                   ***********************************

4- جواز نصب، أو رفع المبني على الفعل:

"يدخل من يشاءُ في رحمته والظـٰلمين أعدَّ لهم عذابا أليما" (سورة الإنسان: 31).

كلمة "الظالمين" من ظاهر العبارة هنا هيَ مبتدأ يفترض أنه مرفوع، وعلى ذلك قرأها كل من الزبير وأبان بن عثمان وابن أبي عبلة "الظالمون"؛ رَفْعاً باعتبارها مبتدأ[160]، عكسما قرأ حفص.

رأيُ سيبويه[161]:

رأيت زيداً وعمراً كلمته ورأيت عبد الله وزيداً مررت به ولقيت قيساً وبكراً أخذت أباه ولقيت خالداً وزيداً اشتريت له ثوباً‏. ‏

اختير النصب هنا لأن الاسم الأول مبني على الفعل فجاء بناء الاسم الآخر على الفعل مثل الأول. وهذا ما ينطبق على الآية المشار إليها. ومثلها كما ذكر‏: ‏ ‏"وعاداً وثموداْ وأصحـٰب الرس وقروناً بين ذلك كثيرا" (سورة الفرقان: 38)، و‏‏ "فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلـٰلة" ‏ (سورة الأعراف: 30)‏‏. ‏

ومثل ذلك‏: ‏ "كنت أخاك وزيداً كنت له أخاً" لأن كنت أخاك بمنزلة ضربت أخاك‏. ‏ وتقول‏: ‏ "لست أخاك وزيداً أعنتك عليه"؛ لأنها فعل وتصرف في معناها كتصرف كان‏. ‏

ضرب سيبويه مثلا بنفس العبارة تقريبا. مرتين في: رأيت زيداً وعمراً كلمته، لقيتُ زيداً وعمرو كلمته. مرة بالنصب ومرة بالرفع لتقديرين مختلفين لنفس العبارة.

وهناك تعليلات أخرى:

قال السّمين الحلبي[162]: منصوب على الاشتغال بفعل يفسره أعدَّ لهم من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: وعذب الظالمين، ونحوه: "زيدا مررت به".. وكان النصب هنا مختارا لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: "يدخل". وهذا تعليل لا يتفق مع العربية القياسية. فهل يجوز القول: "المجرمون جهزنا لهم السجن" بمعنى سجنَّاهم فتكتب "المجرمين"؟.

ومثله ذهب الطبري: الواو ظرف لأعدّ، والمعنى: وأعدّ للظالمين عذابا أليما. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود: ولِلظّالِمِينَ أعَدّ لَهُمْ بلام الجر.

وكذلك ذهب ابن عاشور فقال إنها نُصبت  على أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه المذكور على طريقة الاشتغال والتقدير: أوْعد الظالمين، أو كَافأ، أو نحو ذلك مما يقدره السامع مناسباً للفعل المذكور بعده. ومثلهم قال الكثيرون[163].

أما النحَّاس[164] فأشار إلى رأي سيبويه؛ نصب الظالمين بإضمار فعل يفسره ما بعده أيْ ويعذب الظالمين، ورأي الكوفيين السابق الذكر: الواو ظرف للفعل؛ أيْ ظرف "لأعد". وقد ذهب الفرَّاء إلى أنه يجوز رفعه  مثل: "والشعراء يتبعهم ٱلۡغَاوُۥن" (سورة الشعراء: 224)، وهو ما رفضه النحَّاس لأن هذا  لا يشبه ذلك لأن في آية "والظالمين" فقد سبقها فعل فاختير فيه النصب ليضمر فعلا ناصبا فيعطف ما عمل فيه. أما الآية الثانية فليس قبلها فعل.

على عكس ذلك جاء في سورة الحج (آية: 18):

"أَلم تر أَنَّ اللَّهَ يسجد له من فِي السمـٰوٰت ومن في الأَرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب... وكَثِيرٌ من النَّاسِ وكَثِيرٌ حق عليه العذاب ومن يهن اللَّهُ فما له من مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يفعل ما يشاء". فهنا الفعل "يهن" نصب "من" ويكون تقدير الآية: ومن يهن اللهُ فما له من مكرم وكثيرا حق عليه العذاب. ولكن "كثيرٌ" جاءت مرفوعة.

أورد القرطبي[165]:

 وهذا مشكل من الإعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل: مثل  "والظالمين أعد لهم عذابا أليما". فزعم الكسائي والفرَّاء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن اختير الرفع لأن المعنى "وكثير أبى السجود"، فيكون ابتداء وخبرا، وتم الكلام عند قوله  "وكثير من الناس". ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيرا حق عليه العذاب، ونحوه.

وقيل: تم الكلام عند قوله  والدواب  ثم ابتدأ فقال  وكثير من الناس  في الجنة  وكثير حق عليه العذاب. وكلها كما نرى تعليلات بلاغية متكلفة.

أما القماش[166] فقد عرض ثلاثة أوجه:

الأول: أن يكون تقدير الآية: ولله يسجد من في السماوات  ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس. فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة. الثاني: أن يكون قوله: "كَثِيرٌ مّنَ الناس" مبتدأ وخبره محذوف. والثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فتكون "كثير" الثانية معطوفة.

وفي سورة آل عمران (154) لم يتم نصب طائفة في: "يغْشَىٰ طائفةً منكم وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهم أنفسُهُم"، لأنه  - حسب سيبويه اعتبر الواو واو ابتداء ولم يعتبرها واو عطف، دون أن يعلل ذلك.

الخلاصة أن النصب والرفع في الحالات المذكورة محتمل بتعليلات مختلفة أغلبها مقبول لغويا.

                                    ******************************بالنصب ومرة بالرفع لتقديرين مختلفين لنفس العبارة.

5: "إنْ هٰذانِ لسـٰحرٰن" (سورة طه: 63):

هكذا تكتب في قراءة حفص. وحسب النحو إذا كتبت "إنَّ" مشددة يجب أن يقال: هذين لساحران، لأن إنِّ تنصب المبتدأ وترفع الخبر. وهناك قراءات أخرى: "إنَّ هذين لساحران"  نُسبت قراءتها لكل من عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير والحسن، وكذلك قرأ أبو عمرو بن العلاء[167]، وأخرى منسوبة لابن كثير وغيره: "إنْ هذانِّ" بتخفيف إن وتشديد نون  هذانّ، وقرأها عبد الله بن مسعود: "أنَّ هذان ساحران"  بفتح الألف وجزم نونه. وعن الأخفش: "إن هذان لساحران" خفيفة في معنى ثقيلة وهيَ لغة قوم يرفعون بها. وروي عن أبيِّ بن كعب: ما هذان إلا ساحران، وروي عنه أيضا: إن هذان لساحران، وعن الخليل مثل ذلك، وعن أبيّ أيضا: إن ذان لساحران. هذه هيَ القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية[168].

وقد أثارت هذه الجملة جدلا كثيرا وأفتى فيها النحويون والمفسرون وذهبوا مذاهب شتى، محاولين تكييف العبارة مع النحو، أو باعتبارها جاءت على لغة بلحارث.

منها ما قاله السيوطي: المثنى... فإنه يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء نحو "قال رجلان"، ولزوم الألف في الأحوال الثلاثة لغة معروفة عزيت لكنانة وبني الحارث بن كعب وبني العنبر وبني الهجيم وبطون من ربيعة وبكر بن وائل وزبيد وخثعم وهمدان وفزارة وعذرة، وخرج عليها قوله تعالى (إنَّ هذان لساحران).. وأنشد عليها قوله:

تزوّد مِنّا بين أُذناهُ طعنة ً، وقوله: قد بلغا في المجد غايتاها[169].

واختلف النحويون فيها وذكروا وجوها: الوجه الأول: وهو الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب؛ لغة بلحارث بن كعب، والزجَّاج نسبها إلى كنانة، وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها ابن جنيِّ إلى بعض بني ربيعة أيضا. وأنشد الفرَّاء على هذه اللغة:

فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ...  مساغا لناباه الشجاع لصمما

قال الفرَّاء: وحكى بعض بني أسد أنه قال: هذا خط يدا أخي أعرفه.

وممن فسرها على أنها كتبت بلغة بني الحارث: الفرَّاء  والكسائي والأخفش وأبو زيد الأنصاري، و أبو حيان وابن مالك وأبو علي الفارسي، بالقول أنهم الذين يلزمون المثنى في رفعهِ ونصبهِ وخفضهِ الألف. علق الفرَّاء[170]: ولست أشتهى على أن أخالف الكتاب، وقرأ بعضهم "إن هذان لساحران" خفيفة وفى قراءة عبدالله: "أن هذان ساحران" وفى قراءة أُبىّ بن كعب "إن ذان إلاّ ساحران"، فقراءتنا بتشديد "إنّ" وبالألف على جهتين. ورأى ابن قتيبة[171] نفس الشيء: و هيَ لغة بلحرث بن كعب يقولون: مررت برجلان، و قبضت منه درهمان، و جلست بين يداه، و ركبت علاه... و أشار للشعر سابق الذكر.

وعلى غرار هذا قرأ أبو سعيد الخدري والجحدري[172]: "وأمَّا الغلـٰم فكان أبواه مؤمنان" بدلا من "وأمَّا الغلـٰم فكان أبواه مؤمنيْن" (سورة الكهف: 80) في حفص، على لغة بلحارث وأجازها أبو الفضل الرازي. ورغم وضوحها عللها  الزمخشري وابن عطية وأبو الفضل الرازي أيضا على أن في "كان" ضمير الشأن، والجملة في موضع خبر ل "كان"، وأجاز الرازي أيضا أن يكون في "كان" ضمير الغلام والجملة خبر كان.

وأشار الزمخشري في تفسيره للقرآن[173] إلى عدة قراءت تتضمن السابقة بالإضافة إلى قراءات منسوبة لأبيِّ بن كعب: "إنْ هذان إلا ساحران"، و "ما هذان إلا ساحران"، وقد رُويَ عن أبيّ أيضا قراءة: "إن هذان لساحران"، و "إنَّ هذانِ"  نُسبت إلى نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر.

وخلص ابن عاشور إلى أن أغلب القراء قرأوا "إنَّ" مشددة. ولكن في رواية حفص تُكتب "إنْ" ساكنة. وأشار الألوسي إلى أنه مما ينسب لإبراهيم النخعي أنه قال: "إن هذان لساحران" و"إن هذين لساحران"؛ سواء ولعلهم كتبوا الألف مكان الياء كإبدال حرف في الكتابة بحرف كما وقع في صلاة وزكاة وحياة[174]، يقصد المرسومة: صلـٰوة، وزكـٰوة، وحيـٰوة في المصحف، وهيَ ظاهرة تكررت أكثر من ذلك (الربـٰو- الغدوٰة- مشكـٰوة- النجـٰوة منـٰوة).

وهناك من اعتبر أن "إنْ" مخففة لا عمل لها فلا تنصب المبتدأ، وهيَ المرسومة في المصحف، منهم ابن عقيل[175]، وهو كلام يذكرنا بالذي قيل في آية 69 من سورة المائدة؛ إذ رأى الكوفيون أن إنَّ لا تعمل مع الخبر، لكن الكلام هنا عن المبتدأ.

وقال آخرون إنها "إنْ" ساكنة بمعنى "نعم"، وقاسوا عليها قول الشاعر عبدالله بن قيس الرقيات المتوفي عام 85 هجرية:

بَكَرَ   العواذلُ  فِي  الصَّبُو  ...     حِ   يلمنني   وأَلومهنَّـهْ
    ويقلن  شيبٌ    قد    علا   ...      ك وقد كبرت فقلت: إِنَّهْ

بإضافة الهاء تجعلنا أولا ننطق "إنَّ" مشددة وثانيا يكون من المقبول أكثر أن تقدير البيت: فقلت إنِّه كذلك، وتكون "إنَّ" هنا للتوكيد، وفي هذه الحالة تنصب المبتدأ حسب النحو. وأضافوا مثلا آخر: أن رجلاً قال لابن الزبير: لعن الله ناقةً حملتْني إليك، فأجابه ابن الزبير: إنْ وراكبها، أي: نعم وراكبها أيضًا. وغير ذلك ذكر:

شاب المفارق إن إن من البلى ... شيب القذال مع العذال الواصل

  أي نعم نعم، وقال آخر:

قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن

؛ أيْ نعم[176].

وبخصوص "إنَّ" المشددة قيل أيضا إنها قد تأتي بمعنى "نعم"، وهذا كلام سيبويه: ومثل ما ذكرت لك قول العرب: "إنه" وهم يريدون "إن" ومعناها أجل. وقال: ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلت إنه[177].

في العربية تستخدم إنْ كأداة شرط، أو للمدة، أو للنفيْ، أو للاستفهام، أو بمعنى الذي وللتعجب وبمعنى "ما".

وقد استخدم القرآن "إنْ" الساكنة في مواضع أخرى بمعنى ما: إنْ أردنا إلاّ الحسنىٰ (التوبة: 107) بمعنى: ما أردنا إلا الحسنىٰ، و "إنْ يقولون إلاّ كذبا" (الكهف: 5) أي: ما يقولون إلاّ كذباً، "إِنْ أَولياؤُه إلا المتقون" (الأنفال: 34)، "إن هذا إلا أسـٰطير الأولين" (الأنعام: 25)، "وإِذا رآك الذين كفروا إِنْ يتخذونك إلا هزُوُا" (الأنبياء: 36)... "إنِ الكـٰفرون إلا في غرور" (الملك: 20)، "إِنْ لبِثتمْ إلاَّ عشراً" (سورة طه: 103)، "إِنْ لبثتم إلا يوما" (سورة طه: 104)، "إنْ هيَ إلا حياتُنا الدنيا" (المؤمنون: 37)، وغيرها الكثير.

 ولكن لم تأت بمعنى "نعم" في غير الآية المذكورة، وكاحتمال.

وهناك تفسير آخر للنحاة الكوفيين: "إن" هنا نافية، واللام الداخلة على "ساحران" بمعنى: إلا، فيكون المعنى: ما هذان إلا ساحران، فتكون "هذان" مبتدأ مرفوعًا.

 وهناك رأيُ آخر: قال "إنْ هذان لساحران" بدل "هذين" لغرض بلاغي؛ مراعاة للوزن[178]، وهذا تعليل لا غبار عليه.

الخلاصة أن كلمتي "إنْ هذان" قد فسرتا لغويا على أن تكتبا بصيغ أخري كما أسلفنا، أو تكتب "إن هذان لساحران"  مع تنوع التشكيل  بين إنَّ، وإنْ، وأنْ، وفي حالة كتابتها "إنَّ" بذلت الجهود لإعرابها حسب قواعد النحو بينما لجأ البعض إلى اعتبارها تبع لغة بلحارث وأزد.. إلخ.

والآن لدينا تساؤل: لماذا اختارت لجنة عثمان بن عفان هذا الرسم بالذات مع أنها كانت قادرة على اختيار رسم آخر بنفس المعني ومتسقا مع النحو؟. الاستنتاج المعقول أن الآية لا غبار عليها في علاقتها بلغة العرب في مرحلة صدر الإسلام حيث كانت اللغة العربية بألسنة مختلفة وغير خاضعة بصرامة لقواعد النحو اللاحقة. وإن تعدد القراءات والتعليلات اللغوية لا ينفي في النهاية أن "إن" في صورها المختلفة قد لا تنصب المبتدأ وأن هذه القاعدة الصارمة نشأت فيما بعد على أيدي البصريين. كما أن معاني الألفاظ كانت أكثر مرونة. ومن المعقول أن "إنَّ" قد جاءت بمعنى "نعم".

         **********************************************

6: يَـٰأَيها الذين ءامنوا  إذا قمتم للصلـٰوه فاغسلوا وجوهَكم وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين (المائدة: 6).

 وقد قُرأت في حفص "وأرجلَكم" بالنصب عطفاً على "وجوهَكم"، مما يقتضى غسل الأرجل، لعطفها على مغسول، و قرأها آخرون بالجر (أرجلِكم) عطفاً على "رءوسِكم" وهذه القراءة تقتضى مسح الأرجل، لعطفها على ممسوح وهو الرءوس، وفى ذلك قيل إنه إقرار لحكم المسح على الخفين[179]. وهناك تعليل نحوي لهذا الجر يقول إن الأرجل تغسل ولا تمسح؛ فهيَ معطوفة على "وجوهكم" فكان يجب نصبها ولكنها مجرورة تأثرا باللفظ المجاور لها: برؤوسكم؛ أي بالمجاورة.

 

                ****************************************

 7: إنَّ الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثاُلكم  (الأعراف: 194).

 

لا توجد أية إشكالية لغوية في هذه القراءة ولكن أشار كثيرون؛ منهم كمثال - المحاربي[180] أن سعيد بن جُبير قرأها: "إِنِ الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالَكم"، بتخفيف "إن"، والمعنى بهذه القراءة تحقير شأن الأصنام ونفي مماثلتها للبشر، بل هيَ أقل وأحقر إذ هيَ جمادات لا تفهم ولا تعقل. وهي قراءةٌ اعتبرها العلماء شاذَّةٌ. وقد أوردها العكبري[181] ضمن القراءات الشاذة فلم يقبلها وقال إنها تعتبر أن "إنْ" جاءت بمعنى "ما"، يقصد أنها لذلك رفعت المبتدأ ونصبت الخبر، وذهب مثله الكسائي وأكثر الكوفيين - غير الفرَّاء -  وغيرهم حسب السمين الحلبي[182]، الذي قبلها مستشهدا ببيت من الشعر غير منسوب لأحد معين:

 

إنْ هو مستولياً على أحد... إلا على أَضْعف المجانين..

 

وقد استشهد الأشموني[183] بنفس البيت وأضاف مثلا آخر غير منسوب أيضا لأحد:

 

إِنْ الْمَرءُ مَيْتا بِانْقِضَاءِ حَيَاتِهِ... ولَكِنْ بِأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخْذَلا

 

واعتبر (وغيره أيضا[184]) أن "إنْ" هنا تعمل عمل ليس، وهيَ من أخوات كان؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر. وإذا استبدلنا "إنْ" ب "ليس" في البيتين لاستقام المعنى، وحتى لو كان هذا من شواذ كلام العرب فلا ينفي أنه كلامهم.

ورأى النحَّاس[185] أن هذه قراءة مرفوضة من ثلاث جهات؛ إحداها أنها مخالفة للسواد، والثانية أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى "ما" فيقول: إن زيد منطلق، لأن عمل ما ضعيف، و إن بمعناها فهي أضعف منها، والجهة الثالثة أن الكسائي زعم أنّ "إن" لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى "ما" إلا أن يكون بعدها إيجاب كما في الآية: "إِنِ الْكافِرُونَ إلا فِي غُرُورٍ" (سورة الملك: 20). وعلى العكس انتقد الأندلسي أبا جعفر النحَّاس بحجة أن القراءة مروية عن أحد التابعين الأجلاء وأن حجج النحَّاس في رفضها مردود عليها[186].

أما قبول، أو رفض القراءة الشاذة موضع الجدل فلا ينفي أنها تتسق مع كلام العرب والإصرار على فرض قواعد النحو الصارمة هنا هو من وجهة نظرنا محاولة لتطوير العربية بجعلها أكثر التزاما وانضباطا، والأرجح أن القراءة المذكورة تمثل مرحلة أقدم في لغة العرب.

 
                   *****************************************

8: "ليس البر أَن تولوا وجوهكم قبل المشرِق والمغرِب ولٰكنَّ البِر من ءامن باللَّه... " (سورة البقرة: 177):

 

فظاهريا يوجد هنا خطأ لغويُّ في "ولكنَّ البِر من ءامن"؛ فالبر ليس من آمن بل هو الايمان بالله واليوم الآخر...

وقد لجأ أهل اللغة إلى تفسيرات شتى. فذهب سيبويه في باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام والإيجاز والاختصار [187]، إلى أن المقصود هو "ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر". وضرب أمثلة مشابهة: من القرآن: "ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً"، وإنما المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع. ومن الأمثال: بنو فلان يطؤهم الطريق، يريد: يطؤهم أهل الطريق.

وهناك مثال في القرآن أوضح مما ضربه سيبويه: "وليس البر بأَن تأْتوا البيوت من ظُهورِها ولكِنَّ البر مَنِ اتقى وأْتوا البيوت من أَبوبٰها" (سورة البقرة: 189). والواضح أنه حزف المضاف لوضوح المعنى المقصود وهذا من البلاغة، وهو ما ينطبق أيضا على آية 177.

وأضاف القرطبي أنه يجوز أن يكون  "البر" بمعنى البار والبر؛ والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر؛ كما يقال: رجل عدل؛ وصوم وفطر؛ وذكر مثالا آخر من القرآن: "إن أصبح ماؤكم غورا" (سورة الملك: 30)؛ أيْ غائرا.

وذهب المبرد مذهبه فقال: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر  بفتح الباء.

وقال الشاعر:

فإنما هيَ إقبال وإدبار

أي ذات إقبال وذات إدبار. وقال النابغة: وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب، أي كخلالة أبي مرحب[188].

وذهب الطبري مثل سيبويه؛ مقدما أمثلة من كلام العرب المشهور: الجود حاتم والشجاعة عنترة، ومعناها: "الجود جود حاتم"؛ فتستغني بذكر حاتم إذ كان معروفًا بالجود من إعادة ذكر الجود.

وفي تفسير  الجلالين:

 "ولكن البر" أي ذا البر وقرئ بفتح الباء أي البَار من آمن بالله واليوم الآخر، وهي قراءة مختلفة.

مثلها: "أَجعلتم سقايةَ الحاجِّ وعمارة المسجد الحرامِ كمن ءامن باللَّه" (سورة التوبة: 19)، ولم يقل: سُقَاة الحاجّ وعامري المسجد الحرام كمن آمن. ة.بغفن

وقد تكرر هذا في القرآن كثيرا وهو من كلام العرب وحتى في اللغات الأخرى: حذف لفظ للاختصار ولوضوح المعنى، استخدام الصفة بدلا من الموصوف.. إلخ. ببساطة هذه هيَ لغة العرب.

                            *********************************

9- والوٰلدات يرضعن أَولـٰدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (البقرة: 233):

 هكذا قرأها الجمهور، وهي في رواية حفص.

الإشكالية هنا حول قراءة أخرى هيَ قراءة كل من مجاهد، والحسن، وحميد، وابن محيض، وأبو رجاء: لمن أراد أن تَتمُ الرَّضاعة بفتح التاء الأولى ورفع الرضاعة بعدها، وقرأ أبو حنيفة، وابن أبي عبلة، والجارود بن أبيسبرة كذلك، إلاَّ أنهم كسروا الراء من الرضاعة[189]. فرفعوا الفعل "تتمُ" رغم أنه مسبوق ب "إنَّ" وهي تنصب المضارع إلا في حالات معينة لا تنطبق على الآية[190].

                         **********************************

10- كلمة "لات":

 

جاءت في: "كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا وُّلَاتَ حين مناص" (سورة ص: 3).

وقد أثارت جدالا كبيرا بين اللغويين شارك فيه المحدثون. وقد لخص خيري الجميلي[191] الآراء المتعددة في:

- ذهب جمهور النحاة القدماء إلى أن أصل "لات" في العربية هو "لا" زيدت عليها التاء، كما في تمَّت، و ربَّت.

- وذهب بعض النحويين إلى أنها فعل ماض، وانقسموا إلى فريقين: يقول الأول: إنها فعل ماضٍ بمعنى نَقَصَ ويقول الثاني: أن أصل "لات" هو "ليس" وقلبت السين تاء مثل قول الراجز:

ياقبح الله بني السعلاة   ...   عمرو بن يربوع شِرار الناتِ

ليسوا بأخيافٍ ولا أكياتِ

 

"النات" هنا بدلا من "الناس" فاستبدلت التاء بالسين

وهذه لغة غير شائعة في كلام العرب.

-          أنكر أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي، ورود  "لات" في العربية، وزعم أن "لات" في القرآن هيَ "لا" والتاء جزء من "تحين" وقد وافقه في هذا بعض البغداديين وابن الطراوة النحوي.

-           ذهب عباس حسن من المعاصرين إلى أن  "لات" أصل قائم بنفسه.

-           ذهب إبراهيم السامرائي إلى أن "لات" في العربية منحوتة من "لا" و"أيت"، وهو مذهب اعتمد  على مقارنة اللغات السامية.

وقد اعتبرها إميل يعقوب[192] حرفا يفيد النفي وتعمل عمل "ليس" بشروط أخواتها، إلا أن هناك شرطين آخرين لا بد منهما لإعمالها، وهما:

أ- أن اسمها وخبرها لا يجتمعان، بل لا بد من حذف أحدهما والأكثر حذفُ اسمِها.
ب- أنها لا تعمل إلا في كلمات تدل على الزمان، خصوصا: حين -

 كن يلي، المرجع السابق.اس"

اجز: "ناهم".عض مفسري الاية.وهي أكثرها استعمالا- وساعة وأوان؛ فتقول: تندم الآن ولات حين مندم[193].

أما إذا فقد أحد الشروط المذكورة، فتصبح "لات" مهملة غير عاملة، كما في قول  الشاعر الشمردل اللّيثي:

لهفي عليك للهفةٍ من خائفٍ   ...  يبغي جوارك حين "لات" مجيرُ

حيث بطل عمل  "لات"  لدخولها على غير اسم زمان فتعرب كحرف نفي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. مجيرُ: مبتدأ مرفوع، و الخبر محذوف وتقديره: موجود.

وقال البعض أن "لات" تستعمل كحرف جر لأسماء الزمان خاصة، كما في: "طلبوا صلحنا ولات أوانٍ"، و "ولاتِ ساعةٍ مندم". واستنادا إلى قراءة عيسى للآية: "ولات حينِ مناصٍ"؛ بجر حين[194].

وذكر السيوطي أن "لات" كلمة قبطية تعني "فرار"[195].

وذكر الفرَّاء أنها لا تعمل إلا مع كلمة "الحين" وذهب الفارسي وغيره إلى أنها تعمل مع "الحين" وفيما رادفه[196].

وذكر ابن هشام الأنصاري[197] أن شروط عمل "لات" هيَ عمل "ليس" ولكنها تختص عن أخواتها بأمرين؛ موجزهما:

أحدهما: أنها لا تعمل إلا في ثلاث كلمات: "الحين" في أغلب الحالات، و "الساعة"، و "الأوان" أحيانا. وهذا الشرط ينطبق على الآية. وتكون الواو للحال و "لا" نافية بمعنى ليس، والتّاء زائدة لتوكيد النفي والمبالغة فيه، أو لتأنيث الحرف، واسمها محذوف، و "حينَ مَنَاص" خبرها، ومضاف إليه، أي: فنادوا والحالُ أنَّه ليس الحينُ حينَ مناصٍ، أي: فِرَارٍ وتأخير.

ومن إعمالها في "الساعة" قول الشاعر:

ندِم البغاة ولاَتَ ساعةَ مندمٍ ...   والبغي مرتَعُ مبتغيه وخيمُ

وفي الأوان قوله:

طلبوا صلحنا ولاَتَ أوانٍ   ...    فأجبنا أن ليس حِينَ بَقاءِ

والمقصود أنه  ليس الحين أوانَ صلح، فحذف اسمها، وحذف ما أضيف إليه خبرها.

والثاني: أن اسمها وخبرها لا يجتمعان، والغالب أن يكون المحذوف اسمها والمذكور خبرها، وقد يكون العكس، وهذا ينطبق على قراءة "حينُ" بالرفع؛ أي: "وليس حينُ مناصٍ"؛ حيناً موجوداً لهم عند تَناديهم ونزولِ ما نزل بهم من العذاب.

والرأي السائد هو أنها "لا" أضيفت لها تاء. وأصحاب هذا الرأي ضربوا مثال كلمة: "ثمَّت" وكلمة "ربَّت". إلا أن الكلميتن هما فعل ماض سواء بالتاء، أو قبل إضافتها، و "ثمت مؤنث اسم الإشارة "ثِم"، و "لا" ليس باسم إشارة. أما إضافة التاء إلى "لا" النافية في الآية فلا مبرر لها إلا إذا اعتبرناها  من أسماء ليس ليست وهي أيضا فعل ولكنه فعل ماض فقط.

أما "لات" فقد جاءت أيضا في صورة فعل مضارع في: "وإِن تطيعوا اللَّهَ ورسولَه لا يلتكم من أَعمـٰلكم شيئا إنَّ اللَّه غفور رحيم" (سورة الحجرات: 14)، وفي قراءة واحدة (أبو عمرو بن العلاء) جاءت: لا يَأْلَتْكُمْ، على ما جاء في آية سورة الطور: "والذين ءامنوا  وما أَلَتْنَـٰهُمْ من عملهم من شيء" (سورة الطور: 21)، بمعني نقصناهم، أو ظلمناهم.

وأما الآخرون فإنهم جعلوا ذلك من: لات- يليت، كما قال الشاعر:

وليلــة ذاتِ نــدًى ســـريت  ...  ولم يلِتنــي عن سُـراها لَيْـتُ

وهو شعر غير معروف قائله لا بالتوثيق ولا بالدليل. فقد إملاء،  

لكن "ألتناهم" قُرأت أيضا بدون همزة[198].

إذن يمكن اعتبار "لات" فعل ماض بمعنى قريب من "ليس" وله مضارع؛ فيكون معنى  "لات" حين مناص للنفي: ليس من مفر الآن، و "يلتكم": يقلل، أو ينفي بمعنى يجحد، أو يهمل، أو لا يعتبر، أو ينقص، أو يقلل من شأن. وفي "أَلَتْنَاهُمْ"  جاءت مهموزة بنفس المعني وبالهمز على لغة بعض العرب، كما في قراءة ابن العلاء: يألتكم بدلا من يلتكم كما ذكرنا آنفا، ومن أمثلة كلام العرب في ذلك[199]: غطفان: قد أَلَتَه يَالِتُه، يريدون: نقَصَه. وقال الحُطَيْئَةُ:

أَبلغ بنِي ثعلٍ عني مغلغلةً... جهد الرسالة لا أَلْتًا ولا كذبا (مهموزة).

وفي لغةُ أَسد وأهل  الحجاز: قد لَاتَه، وهو يَلِيتُه لَيْتًا (بدون همز).

 

                                ***************************

11: الحذف:

 

 منه حذف أحرف من بعض الكلمات، أو حذف كلمات بأكملها مثل حذف المبتدأ أو الخبر. هذه ظاهرة بارزة في اللغة العربية عموما والغرض منها التخفيف والإيجاز، والتوكيد، أو النفي وغير ذلك، وهي موجودة في لغة القرآن. وقد ذكر ابن جنيّ أن بالقرآن نيفا على ألف موضع حذف فيها المضاف[200]. وقد ورد عن العرب حذف الجملة  سواء الاسم، أو الفعل وحذف الضَّمير وبعضه وبعْض الحرف وبعض الاسم، وبعض الاسم المقْرون بأل وبعض الفعل وحذف الصوائت وحرف النداء.. إلخ.

 وهنا مثل واحد لتأثير حذف كلمة: "وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون‏" (سورة الأنبياء: 26). فتقدير الآية: وقالوا اتخذ الرحمٰن ولداً سبحانه بل هم عبادٌ مكرمون‏، ولذلك جاءت بالرفع. وقد أجاز البعض نصبها: "عبادا مكرمين" ردا على "ولدا"، منهم الفرَّاء[201].

وسوف نتناول هنا حذف حروف الكلمات في القرآن بالمخالفة لقواعد العربية القياسية والذي أثار الجدل[202].

 الحروف المحذوفة هيَ: الألف، الواو، الياء، الباء، التاء، اللام، النون، الهاء. وحروف المد واللين تحذف أكثر من غيرها، لأن ما قبلها يدل عليها. وسنتكلم عن حذف الهمزة في موضع خاص.

يمكن إيجاز دوافع الحذف في:

كثرة الاستعمال كأحد العوامل وليس من الضروري أن يتم فيه الحزف، وهكذا ذهب سيبويه[203]، وطول الكلام بهدف الاختصار، والضرورة الشعرية. وهناك أيضا أسباب صوتية، أو صرفية مثل: التقاء الساكنين وتوالي الأمثال، واستثقال حروف العلة، واستثقال الهمزة، والحذف للوقف، والحذف في صيغ الجمع والتصغير[204]. ويكون التخفيف هو الهدف الأهم للحذف وهو أمر شائع في العربية وفي كافة اللغات.

الحذف للترخيم (الترخيم: حذف حرف، أو أكثر، من آخر المنادَى، أو غيره). وهذا ليس إبدالا، بل يتم حذف الحرف الأخير ثمَّ إشباع حركة الحرف الذي وقع قبله فينشأ حرف هو من جنس حركته؛ مع الفتحة ألف، ومع الكسرة ياء، ومع الضمة واو. وهذه أمثلة من كلام سكان جنوب السعودية[205]:

العربية الفصحى

 

عامية بيش وصبيا وأبي عريش... إلخ.

 

يا مُحَمَّدُ

يا مْحَما

جَعْفَرُ

جَعْفَا

جئتُم؟

أَجِيتُو؟ (يمكن استعمالها في الخبر والاستفهام)

الَّليل

الَّلي

 

مِسْكِين

مِسْكِي

 

هل تَغَذَّيت؟

تَغَدَّيْ؟ (وهم يقلبون الذال دالاً في كلامهم)

 

تريد أَنْ تُسَافِر؟

تِبْغَى تْسَافِي؟

 

الحَجَرُ يتَدَحْرَجُ

الحَجَرُ يتَدَحْرَا

 

سَافَرَ

ساَفَا

 

هَلْ صَمَّمَ؟

شُفْتُنُّهْ صَما؟

 

هَذهِ سُرُر

هَذِي سُرُو

 

وجَع

وجَا

 

من أمثلة ذلك في القرآن: ثم ذهب إلى أهله يتَمَطَّىٰ (القيامة: 33) بدلا من "يتمطط"، "وقد خاب من دَسَّاهَا " (سورة الشمس: 10) بدلا من "دسسها".

،وقد اختلف الحذف بين القراءات[206]. ومنه هذه الأمثلة: "وقاُلوا اتَّخَذ الله  ولدا" (البقرة: 116)،"  وسارعوا إِلى  مغْفِرةٍ" (آل عمران: 133)،"  والَّذِين   اتَّخُذوا مسجِدا " (التوبة: 107)، فقد قُرئت بواو وبغير الواو، "وبالزَّبرِ وباْلكِتـٰب اْلمنِيرِ" (آل عمران: 184)، بالباء وغير الباء، "ما عملته أَيديهم" (يس: 35)، بالهاء وغير الهاء،"فبِما كسبتْ أَيدِيكم" (الشورى: 30)، بالفاء وغير الفاء، "تجرِي من تحَتها اْلأَنهـٰر" (التوبة: 100)، بمن وغير من، وهي في قراءة حفص بدون "من"، " فَإِن اللّه  هو الْغَني الْحمِيد") الحديد: 24)، ب "هو" وبغير "هو"، "والَّيلِ إِذا يسر" (الفجر: 4)، بياء وبغير ياء.

وهناك أيضا الاختلاف بالتشديد والتخفيف، مثل: "بِما كانوا يكذبون" (البقرة: 10)، بتشديد الذال وتخفيفها"،"ولكن الشياطين كفروا"  (البقرة: 102)، بتشديد النون وتخفيفها، "وإِنَّ كلا لما ليوفيهم ربك" (هود: 111)، بتشديد الميم وتخفيفها.

إن تبرير حذف حرف بأنه يعني  السرعة، أو الحسم، أو لتعليلات باطنية لا يبرر عدم حذفه من نفس الكلمة في نفس السياق وبالتالي فهذه الحجة واهية. وحسب ملاحظة الكردي[207] فإن حذف الواو من  ويمح الله الباطل  للإشارة إلى السرعة فهل نعتير إثباتها في يمحوا الله ما يشاء ويثبت يدل على التراخي في المحو والإثبات؟!. وإذا كانت زيادة الياء في: والسماء بنيناها بأييد للفرق بين الأيدى التي بمعنى القوة والأيدى التي ليست بمعنى القوة فما تفسير زيادتها في "بأييكم المفتون"، دون زيادتها في "أيُّكم أحسن عملا"؟!. والكردي ينتقد كل التعليلات اللغوية والبلاغية ويرى أن العلة الحقيقية غامضة وغير مفهومة[208].

وإذا كان حذف الواو من "ندعو" للدلالة على سرعة القرار فلماذا لم تُحذف منها في: "يوم ندعوا كل أناس بإمـٰمهم" (سورة الإسراء: 71) بل زيدت عليها ألف، فهل يعني هذا التباطؤ  يومئذ؟!.

وسنلقي بعض الضوء على هذه الظاهرة فيما يلي:

حذف الألف: من أمثلة ذلك حذفها من: بسم، و الله، و الرحمن، ولكنَّ.

حذفت الألف من مئات الكلمات في القرآن مع إضافة ألف صغيرة في الرسم لتوضيح النطق؛ مثل: "لكٰنِّا" (الكهف: 38) بدلا من "لاكنَّا"، ومن "يَـٰلَيْتَ" (الزخرف: 38) بدل "يا ليت"، و"لأمَـٰنَـٰتِهِمْ" (المؤمنون: 8). وقد جاءت في بعض القراءات: "لأماناتهم"، و"لأمانتهم"، لكنْ - السموت-  ثلـث مائة - السلم الظلمت سبحنك الصلحون.. إلخ، وكل هذا الحذف للاختصار. وهناك كلمات حذف منها الألف اختصارا في القراءات المتوترة بينما كتبت في القراءات الشاذة بدون الألف الصغيرة؛ منها: الصـٰعقة (البقرة: 55) بألف الصغيرة ولكن كتبها ابن محيصن "الصعْقة"[209]، "مسـٰجد" بالألف الصغيرة بينما كتبها البعض "مسجد" في الآية 17 من سورة التوبة[210]، وهذا الأخير هو مجرد اختلاف في القراءات حول الإفراد والجمع.

وفي العربية عموما يحذف الألف مع اللام كما في: للألواح بحذف ألف الوصل التي مع لام التعريف، وأصلها: لالألواح، وكمثال آخر: للرجل، وأصلها: لالرجل. كما تحذف من أسماء الإشارة مثل: هذا، هؤلاء، أولئك، ومن ألفاظ أخرى كثيرة منها لكن (أصلها لاكن)، مئة.. إلخ رغم أنها في القرآن كتبت بالألف الصغيرة مثلها مثل كلمات: الشيطن، ءايت.. إلخ وهي تُكتب في الكتابات الحديثة بالألف الطويلة. والواضح أن هذا النوع من الحذف للتخفيف.

وهناك إجماع على حذفها من "بسم الله الرحمن الرحيم"، بعلل متعددة تشمل الآتي[211]:

قال الفرَّاء لكثرة الاستعمال.

وقيل لأن الباء لا تنفصل.

 وقال الأخفش سعيد حذفت لأنها ليست من اللفظ.

 والقول الرابع أن الأصل سمٌ، وقد أنشد أبو زيد: "بسمٌ الذي في كل سورة سمٌه"، بالضم أيضا فيكون الأصل سما ثم جئت بالباء، فصار بسِم، ثم حذفت الكسرة فصار بسم، فعلى هذا القول لم يكن فيه ألف قط.

كما قيل أيضا وفقا لعبد الرحيم نبولسي - أنها حذفت لوقوعها قبل ساكن صحيح، و هو السين، فاجتمع ساكنان، وتسمي هذه ب"عِلَّة السماع" حيث جاء الرسم موافقا لنطق اللفظ[212].

ومع ذلك لم تحذف الألف من: "إقرأ باسم ربك" (العلق: 1)، وحسب تعليل الفراهيدي[213]: لأنها في "بسم" دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن، فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الرسم، ولم تسقط في قوله: "اقرأ باسم رَبّكَ" لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في "بسم الله"، لأنه يمكن حذف الباء من: "اقرأ باسم رَبّكَ" مع بقاء المعنى صحيحًا، أما لو حذفت الباء من "بسم الله" لم يصح المعنى فظهر الفرق. خلاصة هذا التعليل هو حفظ المعنى.

وحذفت ألف واحدة من "سمـٰوات" في الآية 12 من سورة فصلت، لكن تم حذف ألفين من مئات المواضع الأخرى فكتبت " سمـٰوٰت   " أو "السمـٰوٰت".

- أما حذف الألف من لفظ "الله" (أصلها: الّلاه)، فعُلل ب[214]:

- أنه كتب على لغة من قال:

            قد جاء سيلٌ جاء من أمر الَّهْ... يحرد حرد الجنة المغلة[215]

- أن الألف الأولى تكفي من الثانية.

- أنهم كرهوا أن يشبه النفي.

- أنه قد عرف معناه.

 - لأنه اسمٌ مخصوصٌ، فلما لم يلتبس بغيره حذفت منه الألف.

- لكراهية اجتماع الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة[216].

وكلها علل اجتهادية من النحاة، خصوصا التعليل الأول البالغ التكلف، ولا يوجد من التوثيق ما يدل على صحة أية علة منها ولكن يمكن أن ينطبق عليها ما ينطبق على مئات الألفاظ القرآنية التي حذفت منها الألف واستبدلت بألف صغيرة؛ ثم تأخر استخدام الألف كحرف متحرك كما سنرى بعد، ثم استمر حذفها من ذلك اللفظ لخصوصيته وعدم الحاجة لتغيير رسمه.

- أما عن حذف الألف من "الرحمن"، فقد ذُكرت عدة علل:

   حذفت لكثرة الاستعمال، وهي علة رفضها النحَّاس بمنطق معقول؛ لأنه اسم مخصوص يدل على الله فكيف نقول كثرة الاستعمال، أو حذفت فرقاً بينها وبين الألف الثانية[217]، أو لأن ما قبلها من الألفات تكفي دونها، أو لأن حذفها لا يشكل[218]. وكل هذه التعليلات غير منطقية؛ فالألف حذفت في المصحف من "الرحمن" ووضعت مكانها ألف صغيرة مثل مئات الكلمات الأخرى، كثيرة أو قليلة الاستعمال، ولو حذفت دون إضافة لقلنا لأنه اسم مخصوص بالله، أما لأن الألفات التي قبلها تكفي، أو لأن حذفها لا يشكل؛ فهو ينطبق على كلمات عديدة في العربية لا يحذف منها الألف. وبخصوص "الرحمن" يتم فعلا كتابتها بدون ألف ولا إضافة ألف صغيرة خارج المصحف لسبب واضح: إنه اسم مخصوص بالله ولا يستخدم لغيره ورغم ذلك فهذا لا يبرر حذف الألف إلا بقصد تخفيف اللفظ؛ فاجتمعت هنا هذه العلة مع كون اللفظ خاص بالله فقط؛ أيْ أن المعنى لا يتأثر بحذف الألف منه.

وقد حذفت الألف الفارقة التي تضاف للفعل بعد واو الجماعة للتنبيه أن الواو ليست أصلية في الفعل وللتمييز بين ما آخره واو أصلية، أو واو الجماعة، في بعض الكلمات في قراءة حفص وغيرها؛ جاءو في كل المواضع، باءوا كتبت: باءو في كل المواضع، فإن فاءو (البقرة: 226)، تبوَّءُو الدار(الحشر: 9)، كذلك نجد ذلك في: تبؤّو، سعو، وعتو.

وحذفت الألف التي للتنبيه من كلمات كثيرة منها: يأيها الناس- ويأرض - يأولي الألبب ويأخت هرون - ويهرون  - يمريم.. إلخ. ومن ها التنبيه مثل: هذا وهؤلاء، وحذفت من النداء في: يقوم، ينوح، يرب.. إلخ 

ومن سمات الكتابة النبطية؛ أصل الكتابة العربية الباقية، عدم إضافة حركة الفتحة الطويلة (الألف)، في كلمات مثل حارثة حرثت، و مالك ملك[219]. وكذلك السريانية درجت على حذف الألف من وسط الكلمة[220]، ومثلها لغة سبأ[221]. ويبدو أن العربية لم تكن قد حسمت بعد استخدامها في فترة كتابة مصحف عثمان عكس رمزي الكسرة والضمة الطويلتين[222].

وحتى الآن يتم حذف الألف من كلمات كثيرة؛ منها: الله هذا ذلك... إلخ؛ إذ صارت عادة في الكتابة العربية.

وعلى العكس لم يتم حذف الألف من القرآن لبعض الكلمات القصيرة مثل: عاد مات، وحتى في كلمات طويلة: الحساب العذاب يحاجوكم شاقَّوا صاحبهما.

وهناك كلمات جاءت بالألف في مواضع وبدونها أحيانا مثل: "أيها" المتكررة كثيرا بالألف جاءت "أيه" في 3 مواضع: "أَيُّهَ المؤمنون" (النور: 31)، "يَا أَيُّهَ الساحر" (لزخرف: 49)، "أَيُّهَ الثقلان" (الرحمن: 31)، وأيضا: كذبا وكذابا، شعائر وشعئر، "عتو" (الفرقان: 21) جاءت بالألف: "عتوا" في الأعراف: 77، و 166 والذاريات: 44، و"سعو" (سبأ: 5) وجاءت "سعوا" في سورة الحج: 51، و"يعفوا" (4 مواضع) و"يعفو" في موضوع واحد (النساء: 99)، والميعـٰد (الأنفال: 42)، قال جاءت "قال" بالألف عدا موضعين: "قـٰل كم لبثتم" (المؤمنون: 112)، "قـٰل إن لبثتم" (المؤمنون: 114) وهذا تكرر مع كلمات أخرى.

وقد علل الداني[223] حذف الألف عند التقاء ألفين للاختصار؛ مثلما في: يأيها النّاس، ويأهل يثرب، ويأبت ويا برٰهيم، ويأخت هارون، ويأولي  الألبـٰب، ويأيتها النّفس، ويئادم.. إلخ. وفي: "يا أيه" لالتقاء ساكنين[224]. كما علل  حذف الألف من "يا" التي للنداء و"ها" التي للتنبيه اذا اتصلتا بكلمة أولها همزة مثل: هأنتم، وهؤلاء[225]. لكن لماذا لم تُكتب: "يأيه الذين"، "يا أيه الناس" مثلما كتبت "يا أيه الساحر"، و "أيه المؤمنون"؟.

كما قدم تعليلا غير لغويٍّ لحذف الألف من: أيه المؤمنون، أيه الساحر، أيه الثقلان وإثباتها في بقية المواضع: تطويل هاء التنبيه في النداء... والإشارة إلى معنى الانتهاء إلى غاية ليس وراءها في الفهم رتبةٌ يمتد النداء إليها وتنبيه على الاقتصار والاقتصاد من حالهم والرجوع إلى ما ينبغي[226]. وهو تعليل يعني  إمكانية تغيير صرف الكلمات لأسباب باطنية تقديرية، وهو غير وارد في قواعد النحو والصرف.

وقد قدم غانم قدوري تعليلا أكثر منطقية: إن تقصير الحركات الطويلة إذا لقيت حرفا ساكنا غير متحرك تفسر لنا كثيرا من ظواهر حذف رموز الحركات الطويلة في الرسم العثماني، لأن الحركة الطويلة إذا قصرت صارت حركة قصيرة والحركة القصيرة لم يكن لها حينذاك رمز في الكتابة وهذا يعني سقوط رمز الحركة الطويلة دون أن يخلفه شيء يشير إلى ما تبقى منها بعد تقصيرها[227].

وهذا الحذف غير المبرر لغويا غير موجود في الكتابة العربية الحديثة ولا حتى في الطبعات التعليمية للمصحف[228].

في النهاية لا نستطيع استنباط أيَّ معيار  ولا تعليل نحوي أو صرفي لحذف الألف، أو بقائها، والأكثر قبولا منطقيا أنه لم تكن هناك بعد قاعدة راسخة لكتابة الألف كعلامة فتح طويلة.

حزف اللام: حذفت في الَّيل والّذي والذين والَّذان والتَّي وٱلَّٰتِيٓ  وإلاتيٓ و ٱلَّٰٓـِٔي. عللها الداني بكثرة الاستعمال ولكراهة اجتماع صورتين متّفقتين.

كما أثبتت على الأصل في: اللـٰعنون واللعنة واللـٰعبين واللغو واللهو واللؤلؤ واللـٰت والعزيٰ واللمم واللهبِ واللطيف وٱللَّوَّامَةِ واسم الله.. [229].

وحُذفت في مواضع أخرى غالبا للحفاظ على الوزن وللتخفيف؛ مثل "وليتّخذ" في: "وتلك الأيّام نداولها بين النّاس وليعلم اللّه الذين ءامنوا  ويتّخذ منكم شهداء واللّه لا يحبّ الظـّٰلمين" (آل عمران: 140)، ومثلها في: "وليمحّص اللّه الذين ءامنوا  ويمحق الكـٰفرين" (آل عمران: 141). وبالعكس احتفظ باللام في: "وليبتلي اللّه ما في صدوركم وليمحّص ما في قلوبكم واللّه عليمٌ بذات الصّدور" (آل عمران: 154). و في: "وانظر إلى إلـٰهك الذى ظلت عليه عاكًفا" ((طه: 97) "لو نشاء لجعلـٰنه حطـٰما فظلتم  تفكهون" (الواقعة: 65) وهي عين الفعل الثلاثي وأصلها "ظلّلت" و "ظللتم"، وهذا مما اعتبره اللغويون من الشذوذ في العربية[230].

وقد كتب في القرآن  لفظ "الله" بلامين، بينما كتب لفظ "الذي" بلام واحدة، مع استوائهما في اللفظ وفي كثرة الاستعمال، وهناك عدة تعليلات[231]: الأول: أن "الله" اسم معرب متصرف تصرف الأسماء، فأبقوا كتابته على الأصل، أما "الذي" فهو مبني لأنه ناقص؛ لأنه لا يفيد إلا مع صلته؛ فهو كبعض الكلمة، ومعلوم أن بعض الكلمة يكون مبنيًا، فأدخلوا فيه النقصان لهذا السبب، ولذلك كتبوا "اللذان" بلامين، لأن التثنية أخرجته عن مشابهة الحروف، فالحرف لا يثنى، وهيَ حجة لا يسندها حذف اللام من "اللذان" أحيانا. الثاني: أن لفظ "الله" لو كتب بلام واحدة لالتبس بقوله إله، وهذا الالتباس غير حاصل في قولنا "الذي". الثالث: أن تفخيم ذكر الله في اللفظ واجب، فكذا في الخط، والحذف ينافي التفخيم وأما لفظ "الذي" فلا تفخيم له في المعنى فتركوا أيضًا تفخيمه في الخط. وهذه الحجة ضعيفة لأننا لا نتحدث هنا عن التفخيم لأننا بصدد حذف الأحرف وليس زيادتها، فإذا جاء الكلام عن زيادة أحرف صار من الممكن الكلام عن التفخيم. الواضح أنه لا يمكن كتابة الله بلام واحدة لأن المعني سيتغير فستصبح إله كما قال، ومما يعزز هذا الرأي أن "اللـٰت" كتبت بلامين فهل قُصد تفخيمها؟ محال طبعا.

والحذف في تلك الحالات ليس له أي مبرر واضح. وبالتالي يمكن أن نستنتج أنه غياب قواعد محددة لرسم تلك الألفاظ واجتهاد النسَّاخ وتباين معرفتهم بالرسم. وفي الطبعات التعليمية من المصحف كُتبت: الليل، اللاَّتِي، اللاَّئي اللذان، ظَلَلْتَ. وهو ما ينفي العلل الباطنية والصرفية المختلفة، والإقرار الصريح بتطور العربية وتجاوزها مرحلة الرسم العثماني وهو ما ينطبق على مئات المواضع في هذا الرسم.

 حذف النون:

 من مضارع كان:  "ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق" (النحل: 127)، "ذلك بِأَنَّ اللَّه لم يكُ مغيِّرا نعمةً أَنعمها على قومٍ" (الأنفال: 53)، "إن إبرٰهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكُ من المشركين" (النحل: 120)، "قالت أنى يكون لي غلـٰم ولم يمسسني بشر ولم أَكُ بغيا" (مريم: 20)، "وإنْ تكُ حسنةً يضاعفْها" (النساء: 40)، "قالوا لم نكُ من المصلين"... وقد تم حذف النون من مضارع كان في 18 موضعا في القرآن، وأُثبتت في 62 موضع. وقد أُضيفت النون في بعض مواضع الحذف في الطبعات التعليمية من المصحف.

استنبط النحويون من هذه العبارات قواعد جواز حذف النون من مضارع "كان" كالآتي[232]:

1- أن تكون بلفظ المضارع لا الماضي.

2- أن تكون محذوفة وصلا لا وقفًا، فلا يجوز أن تقول: لم أك.

3- ألا يليها ساكن، مثل: "لم يكنْ اْلذين كفروا" (سورة البينة: 1) فهيَ مضارع، ومجزومة، ولم يُوقَف عليها، وليست متصلة بضمير نصب، إلا أنها متصلة بساكن، فمنع حذف النون.

4- ألا يتصل بـ "كان" ضمير نصب متصل، فلا يصح أن تقول في "لا يكنه": لا يكه.

وفي الهمع[233] شرح السيوطي الأمر؛ فرأي أن تحذف النون إذا كانت ساكنة بالجزم، أو إذا كانت تامة[234] شرط ألا تكون موصولة بضمير، أو متبوعة بحرف ساكن، خلافا ليونس  الذي رأى أنه يجوز حذف نون "كان" تخفيفا بشروط أن يكون من فعل مضارع، أو أمر مجزوما بالسكون وألا توصل بضمير متصل ولا متبوعة بحرف بساكن، مثلما في: "لم يكن الذين كفروا"، ومن أمثلة ما اجتمعت فيه الشروط: "ولم أك بغيا"، "لم نك من المصلين"، "ولا تك في ضيق"، "فلم يك ينفعهم". أما في "كان" التامة فالحذف فيها أقل نحو وإن تك حسنة (النساء: 40). قال أبو حيان: وحذف هذه النون شاذ في القياس لأنها من نفس الكلمة لكن سوَّغه كثرة الاستعمال، وهذا تبرير ضعيف لأن الحذف جاء في مرات معدودة فقط. وأجاز يونس بن حبيب حذفها مع الساكن ووافقه ابن مالك تمسكا بقول الشاعر:

لم يكُ الحقُّ سوى أن هَاجَهُ   ...   رسْمُ دار قد تعفّتْ بالسَّرَرْ[235]

وقوله: فإن لم تَكُ المرآة أبدت وسَامة ً[236]

وقال الجمهور إن ذلك ضرورة، وقال  ابن مالك أن النون حُذفت للتخفيف وثقل اللفظ، ولكن رفض ذلك أبو حيان بحجة أن التخفيف ليس هو العلة إنما العلة كثرة الاستعمال، ويقصد كثرة استعمال فعل "يكون".

والحذف جائز وليس وجوبيا بدليل حذفها من: "فلا تك في مرية منه" (سورة هود: 17)، والإبقاء عليها في: "فلا تكن في مرية من لقائه" (سورة السجدة: 23) رغم تشابه تركيب العبارة، والقرآن مليء بأمثلة من عدم الحذف رغم توفر شروطه المذكورة أعلاه.

وقد انتقد ابن جنيِّ الحذف مع اتباعها بحرف ساكن: وحذف النون من "يكن" أقبح من حذف التنوين ونون التثنية والجمع، لأن النون في "يكن" أصل، وهي لام الفعل، والتنوين والنون (يقصد نون التثنية والجمع) زائدتان فالحذف فيهما أسهل منه في لام الفعل، وحذف النون أيضًا من "يكن" أقبح من حذف نون "من" في قوله:

............... غير الذي قد يقال مِ الكذب[237].

خلاصة ما سبق أن حذف النون من مضارع "كان" قد تم في القرآن في 18 موضعا ليس سهوا، بل لأسباب تخص الوزن والإيقاع؛ للتخفيف، أو لأسباب بلاغية أخرى وهو ما يتفق مع لغة القرآن شبه الموزونة. أما القواعد التي وضعها اللغويون للحذف فكانت محاولات غير ناجحة "لتقنين" الحذف في المصحف لا أكثر، وفي الطبعات التعليمية تم حذف تلك النون في 5 مواضع فقط دون التزام بقراءة حفص.

كما تم حذف النون من فعل "نجِّي" (سورة الأنبياء: 88) مرة واحدة وكتبت مرتين كاملة: "ننجي"، وكتبت "فنجِّي" في سورة يوسف: 110، بدون مبرر من النحو والصرف، ولا نجد سببا سوى تحقيق سلاسة الإيقاع.

حذف الواو: حذفت الواو من أربعة أفعال مرفوعة: "ويدع الانسن بالشر" (سورة الإسراء: 11)، و "ويمح الله الباطل" (الشورى: 24)- "يدع الداع" (القمر: 6) -  "سندع الزبانية" (العلق: 18). قال الداني تعليلا لذلك: ولم تختلف المصاحف في أن الواو من هذه المواضع ساقطة وكذا اتَّفقت على حذف الواو من قوله في التحريم "وصـٰلح المؤمنين" (أصلها وصالحوا)؛ وهو واحد يؤدّى عن جمع[238]، فتُعرب فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو المحذوفة. قيل إنها حذفت لأن بعدها حرف ساكن، ولكنها مع ذلك لم تحذف في كل مثل تلك الكلمات رغم أنها أيضا متبوعة بساكن: "يمحوا الله ما يشاء" (الرعد: 39)، "لا تدعوا اليوم ثبورا وحٰدا وادعوا ثبورا كثيرا" (الفرقان: 14)، مما يدحض التعليلات الصرفية.

كما حذفت من كلمات تحتوي أصلا على واوين: دَاوُۥدُ يستوۥن تلوۥن، بدلا من داوود يستوون- تلوون..

ومثلها: والغاوۥن، "لِيَسُ‍ُٔواْ" بدلا من "لِيَسُوءُوا"، تُ‍ٔۡوِيهِ؛ بدلا من تؤويه، فادرءوا، فاءو، يَدرَءون، يطوُن، لتستوۥا، بَدَءُوكُم، مُسۡتَهۡزِءُونَ، متَّكؤن، فَمَالِ‍ُٔونَ، أأَنۢبِ‍ُٔونِي، لِيُطۡفِ‍ُٔواْ، لِّيُوَاطِ‍ُٔواْ، َيَسۡتَنۢبِ‍ُٔونَكَ، ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ، يَ‍ُٔوسٗا.

وحذفت الواو من "فأصدق وأكن من الصالحين"؛ قرأها ابن مسعود  "وأكونَ من الصالحين". أما كلمة "فقولا" (سورة طه: 44، 47، سورة الشعراء: 16)، فقد ذكر الفرَّاء أن ابن مسعود كتبها: "فقلا مسقطا الواو، معللا ذلك بأن العرب قد تسقط الواو كما أسقطت الألف من "سلمان" وأشباهه[239]. كما حذفت الواو التي في صورة الهمزة من: الرءيا رءين رءياك رءييٰ.

واضح أن هذا الحذف تم بلا قاعدة معينة ولم يحقق أيَّ تأثير على نَظم القرآن لأنه لا يؤثر في  منطوق الألفاظ. ويبقى مبرر واحد هو تأثر الخط العربي بالخط الأم؛ الكتابة النبطية، التي اتسمت  بحذف حروف المد الطويلة حسب خليل يحيي نامي[240]، غالبا في مرحلة مبكرة من تطورها.

حزف التاء:

حذفت في: "فما اسطـٰعوا أَن يظهروه" (الكهف: 97)، "ذلك تَأْوِيلُ ما لم تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً" (الكهف: 82). بينما لم تحذف في: وما اسْتَطَـٰعُوا لَهُ نَقْباً (الكهف: 97)، هذا فراق بيني وبينك سأُنبِّئك بتأْويل ما لم تستطع عليه صبرا (الكهف: 78).

ولا نرى سببا يدعو لهذا الحذف سوى المحافظة على سلاسة العبارة: "فما اسطـٰعوا أَن يظهروه وما اسْتَطَـٰعُوا لَهُ نَقْباً".

كما حُذفت التاء أيضا من تتنزَّل في 3 مواضع؛ فكُتبت  - كمثال - "تنزَّل الملـٰئكة  والروح فيها" (القدر: 4) وجاءت "تتنزل" في موضع واحد، ومن: "لا تكلم نفس" (سورة هود: 105) بدلا من "تتكلم نفس"، " تَذَكَّرُون" في 17 موضع وأصلها "تتذكرون"؛ جاءت بدون حذف في 3 مواضع. وتكرر هذا كثيرا في القرآن؛ فتأتي الكلمة أحيانا بحذف التاء وأحيانا بإثباتها.

كما تم حذف تاء العوض في مواضع، منها: "رجال لا تلهيهم تجـٰرة ولا بيع عن ذكر اللَّه وَإِقَامِ الصَّلـٰوةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَـٰوةِ" (سورة النور: 37)، " وجعلْنَـٰهم أَئمَّةً يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيْرَٰت وإقام الصَّلـٰوة وإيتاء الزَّكَـٰوة وكانوا لنا عابدين" (سورة الأنبياء: 73)؛ والواضح أن هذا الحذف قد جرى للمحافظة على التوازن الموسيقي والانسجام الصوتي، ولنفس السبب حَذَفَ التاء من "غلبهم" في سورة الروم وأصلها "غلبتهم"[241].

حذف الياء، أو رمز الكسرة الطويلة بدون علة لغوية:

مثل: الجوار المنشئآت، أصلها  الجوارى- بالواد المقدس، أصلها بالوادى - يناد المناد، أصلها ينادى- ولي الله وأصلها وليّ الله، إلـٰفهم بدلا من إيلافهم- يسر، أصلها  يسرى وكتبت هكذا في بعض القراءات -  يوم يأت، وأصلها يأتى - ومثلها: المتعال، المهتد، الداع، ننج، يا قوم، يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ التَّلاقِ..

نحويا، تحذف الياء من الفعل في حالة الجزم: للشرط، أو لجواب الشرط لفعل الأمر للنهي وتحذف الياء من المنادى الذي أضافه المتكلم إلى نفسه، مثل: "يـٰقوم ادخلوا" (سورة المائدة: 21)، "يعٰبادِ" (سورة الزمر: 10، 16، وسورة الزخرف: 68)، يـٰربٍّ (الفرقان: 30، والزخرف: 88). إلا أنها لم تحذف من: يـٰعبادي (الزمر: 53، العنكبوت: 56) واختلف فيها القراء بالفتح والسكون[242]. ولم تُحذف من: "وما تغني الآيـٰت والنُّذُرُ" (يونس: 101)، والمفروض أن تُكتب: تغنِ مثلما جاءت في: "فما تغنِ النُّذُر" (سورة القمر: 5)، لأن "ما" أداة جزم والفعل مجزوم بحذف حرف العلة وهو الياء، في سورة القمر. وضع الفرَّاء احتمال خطأ النساخ[243]. كما أثبتت الياء التي هيَ لام الفعل والزائدة التي للإضافة في الرسم في كل المصاحف في أربعين موضعا؛ منها: في البقرة: " واخشوني"، و"فانّ الله يأتى بالشمس" وفي آل عمران "فاتّبعوني يحببكم الله" وفي الأنعام: "لئن لم يهدني"... [244]

يُلاحظ أنها حذفت من فعل الأمر للجماعة في: فارهبون ولا تنظرون لا تقربون فاتقون. وعلى العكس لم تحذف من: فاخشوني فاتبعني فاتبعوني فكيدوني.

كذلك حذف أحد اليائين أحيانا حين كانت الثانية علامة للجمع: الحواريِّن البنيِّن ربنيِّن- الأميِّن، وأثبتت في مواضع أكثر. على العكس لم تُحذف من: "أفعيينا بالخلق الأول" (سورة ق: 15)، "يحييكم" في 5 مواضع؛ منها سورة الأنفال: 24، "حيّيتم" و"يحييها" و"يحيين" والكلمات المماثلة إذا اتصل بها ضمير، وكذلك في: "لفي علّيّين".

وقد قال أبو عمرو الداني في حذف الياء ما معناه: المصاحف اتفقت على حذف إحدى الياءين إذا كانت الثانية علامة للجمع والأقرب للغة القياسية حذف الياء الثانية كما في: "النبيّن" و"الأمّيّن" و"ربّنيّن" و"الحواريّن"... إلا موضعا واحدا اتفقت مصاحف أهل الأمصار على رسم الياءين فيه على الأصل وهو: "لفي علّيّين" في سورة المطففين. وكذلك حذفت الياء التي هيَ صورة الهمزة في كلمات مثل "متّكئين" و "المستهزءين" و "خسئين" وما مثل ذلك. وكذلك حذفت في قوله في سورة مريم "اثثا ورءْيا" وهذا الحذف لكراهة اجتماع ياءين في الخط. فأما في: "أفعيينا بالخلق الأول" (سورة ق: 15)، فقد أجمعت المصاحف على رسمه بياءين على اللفظ والأصل وكذلك اجتمعت على رسمهما إذا اتصل باللفظ ضمير؛ مثل: "يحييكم" و"حيّيتم" و"يحييها" و"يحيين". أما إذا وقعت الياء في نهاية الكلمة؛ كما في "نحي ونميت"، و"إن الله لا يستحي"، و"أنت وليّ" وما كان مثله سواء كانت الياء أصلية، أو زائدة للإضافة فتم حذفها في مصاحف أهل المدينة والعراق فرسمت بياء واحدة، كما تم الحذف في: "وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ" (سورة الأنفال: 42)، وكذلك في: "انَّ وَلِـِّۧيَ الله" (سورة الأعراف: 196)، "ولنحي به بلدة ميتا " (سورة الفرقان: 49)، و "علىٰ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ" (القيامة: 40)[245].

وقد كُتبت كلمات أحيانا بالياء وأحيانا بحذفها منها: "واخشونى" (سورة البقرة) وفي مواضع أخرى: "واخشون"، "المهتدى" (سورة الأعراف)، و"المهتد"، "يؤت الله" (سورة النساء)، و"يؤتى" (سورة البقرة). ولا تصلح التبريرات اللغوية التي قدمها النحويون لأنها تعلل الحذف في كلمة ولا تعلل عدمه في نفس الكلمة ولا توجد أية قاعدة للحذف والإثبات مثل التقاء ساكنين وهيَ العلة المشهورة للحذف. فحذفت الياء من  "يؤت كل"، و "يؤت من" وأثبتت في: "يؤتي ماله" دون التقاء ساكنين في الجميع، وحذفت من "يؤت الله" وأثبتت في "يؤتي الحكمة" رغم التقاء ساكنين في الحالتين.

وفي حالات تم تنوين الكلمة عوضا عن حذف الياء من آخرها، مثلما في: ناج باغ عاد هاد واق وال باق غواشٍ -  لات، والأصل: هادي، والي، واقي.. إلخ. وفي كل هذه الحالات سقطت الياء بدون جزم، لالتقاء ساكنين حسب تعليل نحويي الكوفة، أما نحويو البصرة فكانوا يقفون بالياء لأن التنوين يزول في الوقف فردوا الياء[246].

تتلخص حجج اللغويين لحذف الياء في:

 ـ للموافقة بين اللفظ والكلمة المرسومة. وهذا لا يفسر حذفها تارة وإثباتها تارة في نفس اللفظ وحتى في عبارة شبيهة.

ـ استبدال الكسرة بها لأنها دالة عليها.

 ـ للتخفيف. ومن الأمثلة الواضحة حذفها من: "قال ذٰلك ما كنا نَبْغِ فارتدا علىٰ ءاثارهما قِصصاً" (سورة الكهف: 64).

لالتقاء ساكنين. مثلما في: ناج باغ عاد هاد واق وال باق غواشٍ -  لات، والأصل: هادي، والي، واقي.. إلخ. وفي كل هذه الحالات سقطت الياء بدون جزم، لالتقاء ساكنين حسب تعليل نحويي الكوفة، أما نحويي البصرة فكانوا إذا وقفوا وقفوا بالياء لأن التنوين يزول في الوقف فردوا الياء[247].

وهناك كلمات حذفت منها الياء مع التقاء ساكنين وغيرها لم تُحذف منها رغم التقاء ساكنين أيضا: أمثلة في الحالة الأولي: "واد النمل"  (النمل: 18) "بالواد المقدس" (طه: 12) "لهاد الذين ءامنوا " (الحج: 54) "يناد المناد" (سورة ق: 41) فما تغن النذر (القمر: 5) ننج المؤمنين (يونس: 103) "الواد الأيمن" (القصص: 30) "صال الجحيم" (الصافات: 163) يؤت الله المؤمنين (النساء: 146) وغيرها. أمثلة في الحالة الثانية: "يؤتي الحكمة" (البقرة: 269) "فسوف يأتي الله"  (المائدة: 54) "وما تغني الآيـٰت والنذر" (يونس: 101) "أني أوفي الكيل" (يوسف: 59) "أنَّ نؤتي الأرض" (الرعد: 41) وغيرها.

لكن لم يقدم اللغويون تعليلات لعدم الحذف.

- اختلاف النطق في الوقف والوصل.

- يمكن أن نضيف: لحفظ السجع والوزن (أو التوازن بتعبير الثعالبي[248])، كما في: "أفرأيتم  ما كنتم تعبدون(75) أنتم  وآباؤكم الأقدمون(76) فإنهم  عدوٌ  لي  إلا  رب العـٰلمين(77) الذى  خلقني  فهو يهدين(78) والذى هو يطعمن ويسقين(79)  وإذا مرضت فهو يشفين(80) والذى يميتني ثم يحيين(81) والذى أطمع  أن يغفر لى  خطيئتي يوم الدين(82)" (من سورة الشعراء). كما تفسر لنا ظاهرة تقصير الحركات الطويلة إذا لقيت حرفا ساكنا غير متحرك، كثيرا من ظواهر صرف رموز الحركات الطويلة في الرسم العثماني[249].

حذف الياء من "إبراهيم": حسب ما ذكر الفرَّاء كُتبت كلمة إبراهيم في العربية بأربعة أشكال: إبراهيم، وهيَ الأكثر انتشارا إبرهُم إبرهِم إبرهَم[250]. في الثلاثة رسوم الأخيرة تُقرأ إبراهم وتضاف قراءة إبراهام وإبرهم بدون ألف[251]. وقد كتبت في رواية حفص بطريقتين: إبرهِم في سورة البقرة، وإبرهِيم في بقية المواضع، مع إضافة ألف قصيرة بدلا من حرف الألف. وكتبها ابن عامر عن ابن زكوان وهشام من طريق الداجوني من طريق طيبة للنشر "إبرهم" مع إضافة ألف قصيرة لتُنطق "إبراهام" في عدد كبير من المواضع اختلف الرواة عن عددها وموقعها في المصحف[252].

وفُسرت كتابة "إبراهام" في بعض المواضع تفسيرات مختلفة منها من ذكره الأخفش من أنها لغة أهل الشام[253]. أما تبرير كتابتها "إبرٰهم" في سورة البقرة في رواية حفص فلا نجد أفضل من تعليل الداني: ولم يكتبوه فيها كذلك إلا على مراد الألف دون الياء؛ لأن الياء لا تحذف من الكتابة في نحو ذلك، والألف قد تحذف منها كثيرا في نحو: إسمعيل وإسحق وشبههما من الأسماء الأعجمية المستعملة تخفيفا  واختصارا[254]، أي أنها "إبراهام" بدون الألفين. لكن يبقى السؤال: لماذا لم تُكتب "إبراهيم" بطريقة واحدة في المصحف الواحد خصوصا الأكثر انتشارا الآن (حفص)؟. التفسير الأقرب للمنطق أنه ينطبق عليها ما انطبق على غيرها من الكلمات التي كتبت بأكثر من طريقة في المصحف وأشرنا إليها تفصيلا في هذا البحث؛ عدم وجود طريقة متفق عليها بين العرب للكتابة في ذلك الوقت؛ مما منح الكتاب ومن روى عنهم حرية الاختيار. أما تبرير الاختلاف بأن "إبراهيم" في سورة البقرة كان في تلك المرحلة من القصص اسمه إبراهام، وهو ما لجأ إليه بعض المجتهدين[255] فواضح التكلف لأنه ذُكر في مواضع عديدة بالقرآن وهو في ذات المرحلة باسم إبراهيم، خاصة وأنها كتبت بإثبات الياء في بعض القراءات وقيل في المصحف المدني والمصحف المكي وكذا المصحف الإمام بإثبات الياء، حسب ما ذكر الداني. ولكن وجدناها في مصحف طشقند المنشور مصورا على الإنترنت مكتوبة إبرهم[256]، وهو المشكوك في أنه مصحف الإمام ولكنة على الأقل نسخة قديمة غير منقوطة من المصحف.

ومن المحتمل أن يكون حذف الياء من آثار الخط النبطي؛ أبو الكتابة العربية الباقية.

حذف الباء: "إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرَّمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين" (النمل: 91). من المحتمل هنا أنه قد تم حذف الباء، أو اللام من "بأن"، أو "لأن". وهذه ظاهرة واسعة الانتشار في العربية الحديثة.

                            *******************************

12: زيادة الأحرف:

 

قال ابن يعيش: ومعنى الزيادة إلحاق الكلمة من الحروف ما ليس منها، إمّا لإفادة معنى، كألف "ضارب"، وواو "مضروب"، وإمّا لضرب من التوسّع في اللغة، نحو ألف "حمار"، وواو"عمود"، وياء "سعيد"... وحروف الزيادة عشرةٌ، وهي: الهمزة، والألف، والهاء، والياء، والنون، والتاء، والسين، والميم، والواو، واللام.. وأصل الحروف الزيادة حروف المدّ واللين التي هيَ الواو والياء والألف [257].

الألف: أما الألف في العربية فتزاد لثلاثة أسباب: للإلحاق، أو التأنيث، أو للحشو[258]، ونحن هنا نتكلم عن الزيادة حشوا. عللها ابن يعيش لتكثير الكلمة، وإتمام بنائها[259].

فأضيفت في حالات منها بعد الواو الأصلية في الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو مرفوعا، أو منصوبا مثل: يدعوا، وليربوا، ترجوا، يرجوا، ندعوا، نبلوا، أشكوا، يتلوا، يعفوا، إلا في موضع واحد هو "عسى الله أن يعفو عنهم" (النساء: 99)، فلم تضف.

كما أضيفت ألف بعد الواو في كلمات منها: ملـٰقوا، مرسلوا، كاشفوا، بنوا إسرٰءيل، أولوا الألبٰب، امرؤا، الربوا، يعبؤوا. وزيدت ألف بعد واو مهموزة في كلمات مثل: يتفيّؤا، ٱلۡعُلَمَـٰٓؤُاْ، اتوكّؤا، جزٰؤا، تظمؤا، يدرؤا، يعبؤا، يبدؤا، نبؤا، ينشؤا، الملؤا، ينبؤا، شُرَكَٰٓؤُاْ، انبؤا، عُلَمَٰٓؤُاْ، ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ، نشؤا، دُعَٰٓؤُاْ، شفعؤا، البلؤا.. إلخ. وقد فسر ذلك الداني بأحد احتمالين؛ أما تقوية للهمزة لخفائها وهو قول الكسائي وأما على تشبيه الواو التي هيَ صورة الهمزة في ذلك بواو الجمع من حيث وقعتا طرفا فاُلحقت الألف بعدها كما ألحقت بعد تلك وهو قول أبي عمرو بن العلاء والقولان جيدان[260].

 ولكن لماذا تشبه الواو بواو الجمع؟ وهل يجب أن نكتبها دائما هكذا؟ ولماذا كتبت ألفاظ مشابهة في المصحف بدون تلك الألف؟. كل هذا غير مجاب عليه، وربما تكون من قديم اللغة ولا نجد تعليلا آخر.

كما أضيفت ألف إلى "ذو" لتكتب "ذوا" في مصحف طشقند وهو ما قيل عنه إنه أحد نسخ مصحف عثمان كما أشرنا.

وكتبت "لُؤْلُؤاً" (الإنسان: 19) منصوبة ومنونة، و"من ذهبٍ ولؤلؤٍا" (سورة الحج: 23، فاطر: 33)، رغم أنها مكسورة، و "لؤلؤٌ" (سورة الطور: 24)، و " ٱللُّؤۡلُؤُ" (الرحمن: 22) و  "ٱللُّؤۡلُوِٕ" (سورة الواقعة: 23). وقد اختلفت فيها القراءات المختلفة[261]، كما كُتبت في نصوص عربية بعد القرآن؛ إذ أشار غانم قدوري نقلا عن عبد العزيز الدوري إلى أن إثبات الألف بعد الواو في الفعل المضارع قد جاء في بعض البرديات العربية[262].

وقد علل النحويون زيادة الألف في هذه المواضع تعليلات عدة أكثرها صوتية، ولكن لم يعللوا حذف الألف من نفس الكلمات أحيانا كما لم يقرروا إضافتها كقاعدة عامة بل العكس لم يعد أحد يكتب العربية بهذه الطريقة، بما في ذلك الطبعات التعليمية من المصحف.

- كما زيدت ألف بعد الواو المتبوعة بهمزة في: "أنْ تَبُوٓأَ بإثمي" (المائدة: 29) وفي سورة القصص: " لَتَنُوٓأُ بالعصبة" (آية 76).

 - كما كتبت ألف مكان النون الخفيفة كما جاء في: "كلا لئن لم ينته  لَنَسْفَعا بالناصية" (العلق: 15) بدلا من لنسفعَ، "وليَكُونا" بدل "وليكونَ" (يوسف: 32). هنا نجد أن علامة المد الطويلة حلت محل علامة المد القصيرة. وقد كُتبت "وليكونَ" في الطبعات التعليمية من المصحف.

أما زيادة الألف فِي "ولأاوضعوا"، و "لأاذبحنه" فقدم لها الداني 4 تعليلات:

1-    أن تكون صورة لفتحة الهمزة.

2-    أن تكون الحركة نفسها؛ أي أن الفتحة كتبت في صورة ألف، كما تكتب  الكسرة ياء والضمة واوا، قبل تشكيل اللغة العربية.

3-    أن تكون دليلا على إشباع فتحة الهمزة وتمطيطها في اللفظ لخفاء الهمزة وبعد مخرجها وفرقا بين ما يحقق من الحركات وبين ما يختلس منهنَّ وليس ذلك الاشباع والتمطيط بالمؤكد للحروف إذ ليس من مذهب أحد من أَئمَّة القراءة وإنَّما هو إتمام الصوت بالحركة لا غير.

4-     أَن تكون تقْوِية للهمزة وبيانا لها ليتأدى بذلك معنى خفائها، والحرف الذي تقوى به قد يتقدمها وقد يتأَخر بعدها.

والأرجح كما نرى هو التعليل الثاني؛ فجعلها صورة لفتحة الهمزة شيء لم يتكرر في المصحف وغير مبرر، فكان يمكن وضع فتحة. أما التعليلان الثالث والرابع فتكلفهما واضح والداني نفسه كتب التعليل الثالث بغير ارتياح. والهمزة في الكلمة غير مخفية مما لا يبرر التعليل الثالث والرابع.

زيادة ألف ساكنة في: "لَّكنَّاْ هو الله ربي" (سورة الكهف: 38). وفيها أقوال: فبعض القراء يثبتها في الوقف والبعض يحذفها، كما قال العكبري أن أصلها: "لكِنْ أنَا" فألقوا حركة الهمزة من أنا على النون من لكنْ فتحركت فأزالوا عنها الحركة ثم أدغموها وهي ساكنة في النون المتحركة التي بعدها فصارت نونا مشددة. كما اختلف النحويون حول حذف الهمزة من "أنا" فقال البعض  لالتقاء ساكنين وقال آخرون لكثرة الاستعمال. وقيل إن أصلها: "لكنْ أنَّا" فحذفوا الهمزة تخفيفيا ثم أدغموا النون الساكنة من "لكنْ" في النون المتحركة من "أنا" فصارت نونا مشددة[263].

زيادة الألف في: الظنونا، الرسولا، السبيلا (سورة الأحزاب: 66، 10،67). وهنا واضح أن الغرض هو المحافظة على الوزن لأن كل آيات السورة تنتهي بألف مفتوحة ما عدا آية رقم 4: "... وهو يهدي السبيلَ". بدليل أنها جاءت في آيات أخرى بدون الألف الزائدة: "إنَّا هديناه السَّبيل إما شاكرا وإما كفُورا" (الإنسان: 3)، "أَطيعوا اللَّه وأَطيعوا الرسول وأُولي الأَمرِ منكم  (النساء: 59) رغم أنها جاءت منصوبة. وللسبب نفسه زيدت في "ثموداْ" (الفرقان: 38، هود: 68، النجم: 51، العنكبوت: 38) غير منونة وبالسكون وبفتح ما قبلها  في قراءة عاصم رواية حفص، وحمزة، وبالتنوين كل من ابن كثير وقاطع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي[264]، وفي الطبعات التعليمية كُتبت "ثمودَ" بدون ألف.

أحيانا تضاف تلك الألف كما في: ولا تقولن لشاىء إنَّي فاعل ذلك غدا (الكهف: 23)، جاْيٓء (الزمر: 69)، تاْيئسوا و ياْيئس (يوسف: 87). ولها عدة تعليلات لكل كلمة منها تضمن أنها كتبت على قراءة البزي بالألف، أو لتقوية الهمزة، أو للتفريق عن كلمات مشابهة، أو لإشباع الفتحة[265]؛ أي بدلا من علامة النصب.

الألف اللينة: تم استبدال الألف اللينة الممدودة بالمقصورة؛ في: "لدا" (يوسف: 25) بدلا من "لدى"، "الأقصا" بدلا من "الأقصى" (سورة الإسراء: 1)، "أقصا" بدلا من "أقصى" (القصص: 20، يس: 20)، "طغا" بدلا من "طغى" (الحاقة: 11)، "ورءا"؛ كتبت في كل المواضع هكذا (13 موضع) بدلا من "رأى"، وتكتب "رأى" في الطبعات التعليمية. والعكس رُسمت ألف لينة أصلها واو مقصورة، والمفروض أن تكتب مفتوحة: "يزَّكَّىٰ"، "تزَّكَّىٰ" في عدة مواضع، "يـٰأسفي" (سورة يوسف: 84) وأصلها  "زكَّا"، و "يا أسفا"، و "الضحى" بدلا من "الضحا". وفي موضعين استبدلت الألف اللينة المتطرفة بعلامة المد القصيرة: "وسبع سنبلـٰت خضر وأخرَ يابسـٰت" (يوسف: 43، 46).

 وجاءت تعليلات كثير من اللغويين غير متسقة لأنها تبرر حالة ولا تبرر عكسها.

 ووجود الطريقتين في الرسم يعنى بوضوح  أن علم الصرف  قد غير من طريقة الكتابة العربية القديمة وقت رسم القرآن، والتي كانت تحتمل جواز الكتابة بالطريقتين، أو أن تلك كانت مرحلة انتقالية في اللغة العربية. وقد ذهب الزمخشرى[266] إلى أن الفتحة كانت تكتب ألفاً قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريباً من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفاً وفتحتها ألفاً أخرى. وكذلك ذهب المهدوي[267] إلى أن زيادة الألف من مذاهب العرب في إشباع الحركات وأن الكتابة كانت تجري على لغة الإشباع مرة وعلى غير الإشباع أخرى. وإشباع حرف العِلَّة، أو اللين الذي يقع قبله ليتولَّد عنه حرف علَّة، أو لين طويل، هو إجراء لغوي تشترِك فيه معظم اللغات، وتفسر في ضوئه كثير من مشكلات الحذف الذي يقع فيها، ولا نعرف له سببًا واضحًا[268].

وهناك من علل هذا (المراكشي[269])، عللا ملكوتية مبالغ فيها وغير مقنعة وذاتية تماما.

زيادة أحد حروف المد (الألف الواو الياء)  بعد الهمزة:

  مثل"  "أوْلئك"، و "أوْلى"، وقبل الهمزة مثل "ماْئة"، وبعد حرف صامت مثل: "عمروْ وركبواْ". وزيادة ألف في كلمات مثل: "لأاْذبحنِّه" (سورة النمل: 21)، و "لأاْوضعوا"  (التوبة: 47) والأخيرة ليست في رواية حفص وأشار إليها البعض كقراءة ما[270]، و"ياْيئس" (الرعد: 31)، تاْيئسوا" و " ياْيئس" (يوسف: 87) و وجاْيء (الزمر: 69، و الفجر: 23) بدلا من "وجيء"، ولا تقولنّ لِشَاْيْء (الكهف: 23) بدلا من "لشيء"، "ألم يأْتكم نبؤاْ" (إبراهيم: 9) بدلا من "نبأ"، والواو في: "سأوريكم" (سورة الأنبياء: 37، والأعراف: 145)، و "جزٰؤا" (سورة المائدة: 29).

  وعللها علماء العربية كالآتي:

ـ دليل على إشباع فتحة الهمزة وتمطيطها في اللفظ لخفاءها وبعد مخرجها وفرقا بين ما يحقق من الحركات وبين ما يختلس منها والغرض هو إتمام الصوت بالحركة لا غير.

 ـ تقوية للهمزة وبيانا لها ليتأدى بذلك معنى خفائها والحرف الذي تقوى به قد يتقدمها وقد يتأخر بعدها.

- وقال أبو عمرو واتّفقت المصاحف على رسم واو وألف بعدها في قوله في الممتحنة "إنّا بُرَءَؤا منكم"، وكذلك اتفقت على رسم واو بعد الهمزة في آل عمران في قوله "قل أؤُنبئّكم"، وذلك على مراد التليين ولم يرسموها في نظائر ذلك نحو "اءُنزل عليه" و"اءُلقي الذكر"، وذلك على إرادة التحقيق وكراهة اجتماع ألفين والهمزة قد تصوّر على المذهبين جميعا.

زيادة الياء: في مواضع كثيرة: "أفإين مات أو قتل" (آل عمران: 144)، وتكررت في: "أفإين متَّ" (سورة الأنبياء: 34)، "من نَّبإِيْ" المرسلين" (الأنعام: 34)، "من تلقاءى نفسي" (يونس: 15)، "وايتاىٕ ذي القربى" (النحل: 90)، ومن "ءاناىٕ  الَّيل" (طه: 130) "وراىٕ  حجاب" (الشورى 25)، بِأَييد (الذاريات: 47)، بأييكم  (القلم: 6)، بِلِقَآيِٕ (الروم: 8).

 قال أبو عمرو الداني: ورأيت في المصاحف أهل المدينة والعراق وغيرها "وملأيه" و"ملأيهم" في جميع القرآن بالياء بعد الهمزة... فيجوز أن تكون الياء في ذلك هيَ الزائدة والألف قبلها هيَ الهمزة ويجوز إن تكون الألف هيَ الزائدة بيانا للهمزة والياء هيَ الهمزة[271].

التعليلات التي قُدمت تشمل إما أنها رسمت مراعاة للأصل وإما لتخفيف الهمزة؛ فتقلب ياء محضة لانفتاحها وانكسار ما قبلها. وقد علل المهدوي زيادة الياء كالآتي باختصار: في  نبإِي، ءاناءي، وايتاءى، تلقاءى، وراءى، إما لإشباع الحركة فتكون الياء متولدة من كسرة الهمزة، وإما أن تكون الياء صورة الهمزة صورت حرفا كالحرف الذي تكون منه حركتها. وفي "أفإين" فتحتمل إما أن تكون الألف مشبعة من فتحة الفاء، أو أن تكون الألف صورة الهمزة والياء مشبعة من كسرة الهمزة. وفي بِأَييد، بأييكم، بالنسبة لمن يريد تخفيف الهمزة يقلب الهمزة فيهما ياء محضة، ومن يريد تحقيق الهمزة يكتبها ألفا وقد كُتبت الكلمتان على اللغتين[272].

هذه المبررات المختلفة تعني أن هناك لهجات مختلفة وقت كتابة المصحف، أو مراحل مختلفة من الكتابة العربية وإن قصر زيادة الياء وغيرها على كلمات دون غيرها وحتى أحيانا في الكلمة أحيانا وليس دائما يعنى عدم وجود قواعد واضحة للكتابة وللتعبير عن الصوت بالرسم؛ لغة في حالة انتقال.

وهناك أيضا تعليلات باطنية قدمها المراكشي وغيره.

زيادة الواو:

في: أولوا، أولئك، أولت، سأوريكم، أبناؤا، جزاؤا، أوْلي، العلمـٰوء، البلوٰء..

زيادة الكاف:

     وتقع زائدة في: "أو كالذى مر على قرية" (البقرة: 259) فالتقدير: أو الذي مر على قرية، و كذاك في: "ليس كمثله شيء"  (الشورى: 11)، و المعنى: ليس مثله شيء، وفي: "حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون" (سورة الواقعة: 23).

إضافة هاء السكت:

هاء السكت ضمن أشكال الوقف في اللغة العربية التي منها التسكين ونقل الحركة والروم والإشمام وإبدال تاء التأنيث هاء وإبدال تنوين الحرف ألفا والتضعيف[273]. وتزاد هذه الهاء في آخر الكلمة في الوقف ومن ذلك اتصالها بفعل الأمر إذا كان محذوف العين واللام نحو: عِ، من وعى يعي. وكذلك قد تُضاف إلى الفعل المعتل اللام (أي الحرف الثالث في محل فعل) إذا كان مجزوماً مثل: يسعى، ويرمي، فنقول: لم يسعه، ولم يرمه  وذلك لأن أهل العربية كرهوا حذف اللام والإسكان معا؛ إذ كرهوا أن يسكنوا المتحرك[274]. وقد ذهب القدامى إلى أن الهدف من إضافة هاء السكت في الوقف هو تبيان حركة ما قبلها. ولكن بعض المحدثين ذهب إلى أبعد من ذلك[275].

لكن بعض العرب يوقف في كل الحالات بدون هاء السكت، فيقولون: ارم، اغز، اخش[276].

وفي القرآن دخلت هاء السكت في تسعة مواضع هيَ: فَانظُرْ إلى طعامك وشرابك لم يَتَسَنَّه (البقرة: 259)  أُولـئك الذين هَدَى اللّهُ فَبِهُدَهُٰمُ اقْتَدِهْ (الأنعام: 90)   وما أَدْرَٰكَ ماهِيَهْ (القارعة: 10)، و 6 مواضع في سورة الحاقة: "فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَـٰبِيَهۡ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ(20) فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ (23) كُلُواْ وٱشۡرَبُواْ هَنِيٓ‍َٔۢا